فهرس الكتاب
ولمّا قرر الشاطبي رحمه الله أن:"من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به: أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام"؛ لمّا قرر هذا قال:"وإذا ثبت أنه لا بد من أخذ العلم عن أهله، فلذلك طريقان:"
أحدهما: المشافهة. وهي أنفع الطريقين وأسلمهما""
ثم قال:"الطريق الثاني: مطالعة كتب المصنفين، ومدوني الدواوين، وهو أيضًا نافع في بابه بشرطين:"
الأول: أن يحصل له من فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب، ومعرفة اصطلاحات أهله، ما يتم له به النظر في الكتب، وذلك يحصل بالطريق الأوّل من مشافهة العلماء، أو هو راجع إليه، وهو معنى قول من قال:"كان العلم في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، ومفاتحه بأيدي الرجال". والكتب وحدها لا تفيد الطالب منها دون فتح العلماء، وهو مشاهد معتاد.
والشرط الثاني: أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد، فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين ..."اهـ [1] ."
قلت: فأنت ترى أن الشاطبي رحمة الله عليه، جعل الأخذ عن الكتب من طرق تحصيل العلم، ولم يحصر أخذ العلم على المشايخ فقط. نعم الأخذ عن الكتب يكون بالشرطين الذين ذكرهما، وهذا لا يحتاج إلى كثير شيوخ.
على أن قول القائل: لا شيوخ له، لا يغني من الحق شيئًا، إذ ليس ما يقوله مَن تلقى علمه عن المشايخ حق بأجمعه، و لا كل ما يقوله من لم يتلق علمه على المشايخ باطل بأجمعه، وإنما المدار على الدليل، فما كان من القول موافقًا للدليل وأسعد به كان الحق معه، وما لا فلا، فافهم.
وقولهم:"من كان شيخه كتابه كثر خطأوه على صوابه"؛ محله فيما كان من العلم طريقه السماع والرواية، كضبط القرآن العظيم، وقراءته، وضبط الروايات الحديثية، وأسماء الأعلام، والبقاع. أمّا ماكان من باب النظر والاستنباط والاستدلال، فهذا لا يقال فيه ذلك.
(1) الموافقات (1/ 91 - 97) باختصار.