الصفحة 164 من 205

أما قولهم: شاذ متفرد مخالف لما عليه الناس؛ فهذه دعوى متهافتة.

إنما أهل الحديث والألباني منهم - ولا أزكي على الله أحدًا - من الغرباء، الذين يحيون ما أمات الناس من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقولهم:"تفرد فلان بكذا"لا ينفي عنه الفقه، و لا ينسبه إلى الشذوذ.

قال أبومحمد بن حزم رحمة الله عليه:"إن حدّ الشذوذ هو مخالفة الحق، فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو فيها شاذ، وسواء كانوا أهل الأرض كلهم بأسرهم أو بعضهم. والجماعة والجملة هم أهل الحق، ولو لم يكن في الأرض منهم إلا واحد، فهو الجماعة، وهو الجملة. وقد اسلم أبوبكر وخديجة رضي الله عنهما فقط، فكانا هما الجماعة، وكان سائر أهل الأرض غيرهما وغير الرسول صلى الله عليه وسلم أهل شذوذ وفرقة."

وهذا الذي قلنا فيه بين العلماء، وكل من خالف فهو راجع إليه، ومقر به، شاء أو أبى. والحق هو الأصل الذي قامت السموات والأرض به، قال الله تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل} [الحجر:85] ؛ فإذا كان الحق هو الأصل، فالباطل خروج عنه، وشذوذ منه، فلمّا لم يجز أن يكون الحق شذوذًا، وليس إلا حق أو باطل؛ صح أن الشذوذ هو الباطل. وهذا تقسيم أدلة ضروري وبرهان قاطع كاف، ولله الحمد"اهـ [1] ."

فليس الشذوذ مخالفة الواحد من العلماء لجماعة منهم.

وليس الشذوذ مخالفة ما جرى عليه العمل، أو شاع بين الناس.

فكم من مسألة انفرد فيها قول أبي حنيفة رحمه الله! وكم من مسألة انفرد فيها قول مالك رحمه الله! وكم من مسألة انفرد فيها قول الشافعي رحمه الله! وكم من مسألة انفرد فيها قول أحمد رحمه الله! [2] ، وما عُدّ ذلك عيبًا في حقهم، ولا منقصًا من قدرهم، و لا سالبًا نعت الفقه عنهم، و لا مانعًا له، و لا داعيًا إلى نسبتهم - رحمة الله عليهم - إلى الشذوذ والتفرد!

(1) الأحكام في أصول الأحكام (5/ 661 - 662) .

(2) انظر المحلى لابن حزم (7/ 27، 9/ 273 - 274) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت