يمكن معها الجمع والتوفيق، وذلك منه جريًا على سَنَن أهل الحديث من أنهم لا يحكمون برد الحديث إذا صح سنده، لمجرد مخالفة يمكن معها الجمع والتوفيق.
من ذلك الحديث رقم (10) في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ترجم له:"التكالب على الدنيا يورث الذل"أورد تحته حديث أبي أمامة الباهلي، قال ورأى سكة وشيئًا من آلة الحرث، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل"أخرجه البخاري.
هذا الحديث أورده الشيخ لأن مستشرقًا ألمانيًا زعم لأحد الطلاب المسلمين السوريين هناك أن الإسلام يحذر أهله من تعاطي استثمار الأرض، احتج بهذا الحديث وقال: إنه في البخاري. متعاميًا عن المعنى الذي ذكره البخاري نفسه في ترجمته للحديث، حيث ترجم للحديث بقوله:"باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحد الذي أمر به" [1] .
قال الألباني:"إنه محمول على من شغله الحرث والزرع عن القيام بالواجبات كالحرب ونحوه، .. فإن من المعلوم أن الغلو في السعي وراء الكسب يلهي صاحبه عن الواجب، ويحمله على التكالب على الدنيا، والإخلاد إلى الأرض، والإعراض عن الجهاد، كما هو مشاهد من الكثيرين من الأغنياء."
ويؤيد هذا الوجه قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"وهو حديث صحيح بمجوع طرقه - وذكرها - ثم قال: فتأمل كيف بين هذا الحديث ما أجمل في حديث أبي أمامة المتقدم قبله، فذكر أن تسليط الذل ليس هو لمجرد الزرع والحرث، بل لما اقترن به من الاخلاد إليه، والانشغال به عن الجهاد في سبيل الله، فهذا هو المراد بالحديث، وأمّا الزرع الذي لم يقترن به شيء من ذلك فهو المراد بالأحاديث المرغبة في الحرث فلا تعارض بينها و لا إشكال"اهـ"
ومن ذلك الحديث رقم (37) في سلسلة الأحاديث الصحيحة:"عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله، ثم لينتزعه فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء"أخرجه البخاري. وذكر الألباني أن الحديث ثابت عن أبي سعيد، وأنس أيضًا وخرّجه"
(1) هذا مستفاد من سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 14 - 17) .