فأمّا المتأخرون فكثير منهم جرد ما وضعه المتقدمون. مثل من صنف في الكلام من المتأخرين، فلم يذكر إلا الأصول المبتدعة، واعرض عن الكتاب والسنة، وجعلهما إمّا فرعين، أو آمن بهما مجملًا، أو خرج به الأمر إلى نوع من الزندقة، ومتقدمو المتكلمين خير من متأخريهم.
وكذلك من صنف في الرأي فلم يذكر إلا رأي متبوعه وأصحابه، واعرض عن الكتاب والسنة، ووزن ما جاء به الكتاب والسنة على رأي متبوعه، ككثير من اتباع أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.
وكذلك من صنف في التصوّف والزهد، جعل الأصل ما روي عن متأخري الزهاد، واعرض عن طريق الصحابة والتابعين. كما فعل صاحب الرسالة أبو القاسم القشيري، وأبوبكر محمد بن إسحاق الكلاباذي، وابن خميس الموصلي، في مناقب الأبرار، وأبوعبدالرحمن السلمي، في تاريخ الصوفية، لكن أبوعبدالرحمن صنف أيضًا سير السلف من الأولياء والصالحين وسير الصالحين من السلف، كما صنف في سير الصالحين من الخلف، ونحوهم، من ذكرهم لأخبار أهل الزهد والأحوال من بعد القرون الثلاثة، من عند إبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وأبي سليمان الدارني، ومعروف الكرخي، ومن بعدهم، وأعراضهم عن حال الصحابة والتابعين، الذين نطق الكتاب والسنة، بمدحهم والثناء عليهم والرضوان عليهم.
وكان أحسن من هذا أن يفعلوا كما فعل أبو نعيم الأصبهاني في"الحلية"من ذكره للمتقدمين والمتأخرين، وكذلك أبو الفرج ابن الجوزي، في"صفوة الصفوة"، وكذلك أبوالقاسم التيمي في سير السلف، وكذلك ابن أسد بن موسى؛ إن لم يصعدوا إلى طريقة عبدالله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وهناد بن السري، وغيرهم، في كتبهم في الزهد، فهذا هذا، والله اعلم واحكم. فإن معرفة أصول الأشياء ومبادئها، ومعرفة الدين وأصله، وأصل ما تولد فيه؛ من أعظم العلوم نفعًا، إذ المرء مالم يحط علمًا بحقائق الأشياء التي يحتاج إليها يبقى في قلبه حسكه"اهـ. [1] 1)"
(1) مجموع الفتاوى (10/ 366 - 368) .