فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 248

واللطيف في أسماء الله تعالي هو الذي اجْتَمع له العِلْمُ بدَقَائق المصَالح وإيصَالها إلي مَن قدّرها له مِن خَلْقه، والرّفْق في الفِعْل والتنفيذ، يُقال لَطَف به وله (اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ) لطف بهم، وقال: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ) لطف لهم، والله لطيف بعباده رفيق بهم قريبٌ منهم، يعامل المؤمنين بعطف ورأفة وإحسان، ويدعو المخالفين مهما بلغ بهم العصيان إلى التوبة والغفران، فالله لطيف بعباده يعلم دقائق أحوالهم لا يخفى عليه شيء مما في صدورهم (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك:14) ، (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (لقمان16) وهو الذي يسر لهم أمورهم ويستجيب دعائهم، فهو المحسن إليهم في خفاء وستر من حيث لا يعلمون، نعمته سابغة ظاهر لا ينكرها إلا الجاحدون، وهو الذي يرزقهم بفضله من حيث لا يحتسبون: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (الحج63) ، (اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (الشورى19) كما أنه يحاسب المؤمنين حسابا يسيرا بفضله ورحمته، أو يحاسب غيرهم من المخالفين وفق عدله وحكمته.

ومن المعاني اللغوية للطيف هو الذي لطف عن أن يدرك لكماله وجلاله، كما في قوله تعالى: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَي الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَي طَعَاما فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدا) (الكهف19) فمن المعاني التي يشملها اسمه اللطيف لطف الحجاب، فإن الله لا يرى في الدنيا لطفا وحكمة، ويرى في الآخرة إكراما ومحبة، وإن لم يدرك بإحاطة من قبل خلقه، ولو رآه الناس في الدنيا جهارا لبطلت الحكمة، وتعطلت معاني العدل والرحمة، ولذلك فإن الله تعالى قال عن رؤية الناس له في الدنيا: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللطِيفُ الْخَبِيرُ) ، وعند مسلم أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (تَعَلمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عَزَّ وَجَل حَتَّى يَمُوتَ) لأن الدنيا خلقت للابتلاء، أما الآخرة فهي دار الحساب الجزاء حيث يكشف فيها الغطاء ويرفع فيها الحجاب، ويلطف الله بالموحدين عند الحساب، وقد بين الله للغافلين في الكتاب ما فيه عبرة لذوي القلوب الألباب (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (قّ:22) وفي شأن الموحدين المؤمنين قال تعالى عن لطفه وإكرامه وإحسانه وإنعامه: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) .

واسم الله اللطيف يدل علي ذات الله وعلي صفة اللطف بدلالة المطابقة، وعلي ذات الله وحدها بالتضمن، وعلي صفة اللطف وحدها بدلالة التضمن، ويدل باللزوم علي الحياة والقيومية، والعلم والحكمة، والمشيئة والقدرة، والرأفة والرحمة، والجود والمودة، وغير ذلك من أوصاف الكمال التي دل عليه اسمه اللطيف بدلالة اللزوم، واسم الله اللطيف دل علي صفة من صفات الذات والفعل معا.

كيف ندعو الله باسمه اللطيف دعاء مسألة ودعاء عبادة، دعاء المسألة لم أجد من دعاء مأثور إلا ما ورد عن أبي هريرة مرفوعا: (اللهم الطف بي في تيسير كل عسير، فإن تيسير كل عسير عليك يسير، وأسألك اليسر والمعافاة في الدنيا والآخرة) انظر ضعيف الجامع حديث رقم 1181، وأما ما اشتهر من الدعاء بين العامة: اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه، فهذا الدعاء ليس دعاءا مأثورا ولكنه مما اشتهر على ألسنة الناس، وقد منعه البعض وقال ببطلانه، ولكن الأمر فيه إجمال يتطلب التفصيل، فإن قوله: لا أسألك رد القضاء، لو كان محمولا على عدم نفع الدعاء اعتقادا منه بتعارضه مع القضاء لكان ذلك باطلا، ولكنه القائل دعا الله بطلب اللطف فيه، فلن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت