بسم الله الرحمن الرحيم
شرح الأسماء الحسنى الدالة علي صفات الفعل
المحاضرة العاشرة
الحمد لله رب العالمين، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأومن به وأتوكل عليه، وأستهدي الله بالهدى، وأعوذ به من الضلالة والردى، من يهد الله فهو المهتدى، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من أقر بربوبيته، وشهد بوحدانيته، وانقاد لمحبته وأذعن بطاعته، واعترف بنعمته، وفر إليه من ذنبه وخطيئته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله للإيمان مناديا، وإلى الجنة داعيا، وإلى صراطه المستقيم هاديا، وفي مرضاته ومحبته ساعيا، وبكل معروف آمرا، وعن كل منكر ناهيا، رفع ذكره، وشرح صدره، ووضع وزره، وجعل الذل والصغار على من خالف أمره، فصلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وأصحابه الموحدين وسائر عباده المؤمنين المتبعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
فما زلنا نتحدث معكم عن حصر أسماء الله الحسنى التي تتعلق بصفات الأفعال، وشرح معانيها وما فيها من أوجه الكمال، وحديثنا اليوم نبدؤه بالاسم الواحد والثمانين من أسماء الله الحسنى، وهو اسم الله الفتاح، فقد سمى الله نفسه به علي سبيل الإطلاق مرادا به العلمية ودالا علي الوصفية وقد ورد المعني محمولا عليه مسندا إليه في نص واحد من النصوص القرآنية وهو قوله تعالي: (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيم ُ) (سبأ:26) ، وهذه الآية ورد فيها الاسم والوصف معا، كما ورد الوصف مستقلا في آيات كثيرة منها قوله تعالى: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (فاطر:2) (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) (النساء:141) ، (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (الصف:13) ولم يرد الاسم في السنة إلا في حديث سرد الأسماء في السنن وهو ضعيف كما علمنا.
والفتاح في اللغة فعله فَتَحَ يَفْتَح فَتْحًا، والفَتْحُ نقيض الإِغلاق، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) (الأعراف:40) والمعنى أن أَبواب السماء تغلق أما أرواحهم فلا تَصْعَدُ أَرواحُهم ولا أَعمالهم، لأَن أَعمال المؤمنين وأَرواحهم تصعد إِلى السماء، والفتَّاح على وزن فعال من صيغ المبالغَة، والمفتاح كلُّ ما يُتَوَصَّل به إلى استخراج الْمْغلقاَت التي يَتَعذَّر الوُصُول إليها، وعند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ الْبَارِحَةَ إِذْ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ حَتَّى وُضِعَتْ فِى يَدِى) ، فأخْبر أنه أوتيَ مَفاتِيحَ الكَلِم، وهو ما يَسَّر الله له من البَلاغة والفصاحة والوُصول إلى غوامض المعاني وبدائع الحِكَم ومَحاسِن العِبارات والألفاظ التي أُغْلِقَت على غيره وتَعذَّرت، ومَن كان في يَده مفَاتيح شيء سَهُلَ عليه الوصول إليه، والفتَّاحُ في اللغة أيضا هو الحاكِمُ يقال للقاضي الذي يحكم بين الناس فَتَّاحُ لأَنه يَفْتُحُ مواضع الحق.
والفتَّاح في أسماء الله تعالى هو الذي يفتح أبواب الرَّحْمة والرزق لعباده أجمعين، أو يفتح أبواب البلاء لامتحان الصادقين، فمن الأول ما ورد في قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ