فهرس الكتاب
تبين هذه الآيات الكريمة رد الله - سبحانه وتعالى - على أهل النار الذين يطلبون الخروج من النار. والشاهد في هذه الآيات أن الكفار اتخذوا المؤمنين هزوًا، ولزيادة اشتغالهم بالاستهزاء بالمؤمنين، نسي الكفار ذكر الله - سبحانه وتعالى -، وزيادة في الاستهزاء كان الكفار يضحكون من المؤمنين [1]
وكأن الله يقول للكفار:"لم يكن جرمكم أنكم كفرتم فحسب واقتصرتم على أنفسكم بالكفر - وهو جرم عظيم - إنما بلغ بكم السفه والتوقح أن تسخروا ممن آمنوا وراحوا يرجون غفران ربهم ورحمته، وأن تضحكوا منهم حتى ليشغلكم هذا الهذر عن ذكر الله" [2]
فالمؤمنون لم يعتدوا على الكفار إنما كانوا مسالمين يقولون ربنا إننا آمنا بك، وآمنا بمغفرتك، وآمنا برحمتك، فاغفر لنا ذنوبنا وارحمنا برحمتك الواسعة فأنت خير الراحمين!
هذا الفريق المؤمن - سواء من الصحابة رضوان الله عليهم أم من المؤمنين عامة - لم يفعل شيئًا سوى أنه آمن واستغفر وطلب الرحمة من الرحيم -جل وعلا -، ولكن الكفار لا يتركون المؤمنين على حالهم، ولو أن المؤمنين لم يقاتلوهم ولو لم يتعرضوا لهم، فإن الكره الدفين لا يتزحزح عن قلوبهم. فالاستهزاء بالمؤمنين قائم سواءً تعرض المؤمنون للكفار أو سالموهم، فهذا شأن الكفار، إليه يسيرون وعليه يمشون وله يبذلون.
ومن هنا، فليعلم الداعية المؤمن أن الانزواء والابتعاد عن المستهزئين لا يقطع استهزاءهم ؛ لأن الاستهزاء عند الكفار داء كداء الجرب، لابد أن يحكُّوه ولو آذوا أنفسهم وأنزلوا الدماء من أجسامهم.
ومن عقاب الله - سبحانه وتعالى - لهؤلاء المستهزئين أن يجعل استهزاءهم بالمؤمنين سببًا لمنع هدايتهم، وسببًا لنسيانهم ذكر الله، بل وزاد استهزاء الكفار ليخرج إلى السطح بأسلوب الضحك إمعانًا في الاستهزاء والكفر. يقول أبو السعود:" (حتى أنسوكم) أي:"
(1) انظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مصدر سابق، الجزء 3، ص ص 345 - 346.
انظر سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، الجزء 17، ص 2381.
(2) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن، مصدر سابق، الجزء 18، ص 2482.