فهرس الكتاب
إذن الكفار كانوا يسخرون ويستهزئون من المؤمنين لفقرهم ورثاثة حالهم؛ لأن الكفار يزِنون الأشياء بموازينهم الكفرية؛ حيث إنهم اعتبروا قيمة الفرد بما يملك من المال، فمن كان يملك المال فهو الأعلى مقامًا والأزكى نفسًا والأذكى عقلًا، ومن كان لا يملك المال فهم الأسفل مكانًا والأرذل نفسًا والأسوأ عقلًا. ولكن الإسلام يعلمنا أن الرزق ليس مقياسًا لقيمة الفرد، وإنما قيمته بدينه.
وعندما قال الكفار: (أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا) ؛ أي:"بأن وفقهم لإصابة الحق، ولما يُسعدهم عنده تعالى من دوننا، ونحن المقدَّمون والرؤساء وهم العبيد والفقراء" [1] ، فردّ الله - سبحانه وتعالى - قولهم حيث قال: (أليس الله بأعلم بالشاكرين) ؛ لأن"مدار استحقاق الإنعام، معرفة شأن النعمة والاعتراف بحق المنعم، والاستفهام لتقرير علمه البالغ بذلك، أي: أليس الله بأعلم بالشاكرين لنعمه حتى تستبعدوا إنعامه عليهم؟ وفيه من الإشارة إلى أن أولئك الضعفاء عارفون بحق نعم الله تعالى في تنزيل القرآن والتوفيق للإيمان، شاكرون له تعالى على ذلك مع التعريض بأن القائلين بمعزل من ذلك كله" [2]
ويقول تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) [3]
فالكفار يستهزئون بالمؤمنين إذا دعوهم إلى إنفاق الأموال للمحتاجين. ولعل بعض من أسلم من فقراء المسلمين سألوا المشركين مالًا اعتادوا أخذه منهم، فرد المشركون على الفقراء المؤمنين بقولهم - استهزاء - لا نطعم من لو يشاء الله لأطعمه [4]
(1) العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، مصدر سابق، الجزء 23،ص 390.
(2) المصدر ذاته، الجزء 2، ص 390.
(3) سورة يس / 47 - 48
هاتان الآيتان مكيتان
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 15، ص 3.
(4) انظر ابن عاشور، التحرير والتنوير، مرجع سابق، الجزء 23، ص 32.