الصفحة 133 من 195

"والتعبير في جوابهم بالإطعام مع أن المطلوب هو الإنفاق؛ إما لمجرد التفنن تجنبًا لإعادة اللفظ - فإن الإنفاق يراد منه الإطعام - وإما لأنهم سُئلوا الإنفاق وهو أعمّ من الإطعام؛ لأنه يشمل الإكساء والإسكان، فأجابوا بإمساك الطعام، وهو أيسر أنواع الإنفاق، ولأنهم كانوا يعيرون من يشحّ بإطعام الطعام. وإذا منعوا المؤمنين الطعام كان منعهم لما هو فوقه أحرى" [1]

والشاهد - هنا - أن ردّ الكفار على المؤمنين هو ردّ استهزائي. يقول الشوكاني:" (قال الذين كفروا للذين آمنوا) استهزاء بهم وتهكمًا بقولهم: (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) " [2]

ويقول تعالى: (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ(36) عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ) [3]

وفي هذه الآيات يخاطب الله - سبحانه وتعالى - نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وكأنه يقول له:"فما للذين كفروا يسرعون إليك لاستماع القرآن، ثم يتفرقون بلا قبول له" [4]

فالكفار لا يسرعون الخطى نحو النبي - صلى الله عليه وسلم - ليسمعوا القرآن كي يهتدوا ويزدادوا إيمانًا، إنما يسرعون الخطى ليسخروا ويضحكوا ويستهزئوا وليقولوا: إن دخل هؤلاء المؤمنون الجنة - كما يخبرهم بذلك محمد - فلندخلنها، وليكونن دخولنا لها قبلهم؛ لأن الله أعطانا في هذه الدنيا أكثر مما أعطاهم، ولذلك فسيعطينا في الآخرة أكثر مما أعطاهم [5]

ومعنى مهطعين؛ أي: مصوبو أبصارهم [6] ، وكذلك فلها معنى آخر ألا وهو: المسرعون في عدوِهم [7]

(1) المصدر ذاته، الجزء 23، ص 32.

(2) انظر الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية و الدراية من علم التفسير، مصدر سابق، الجزء 4، ص 428.

(3) سورة المعارج / 36 -39

هذه الآيات مكية

انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 18، ص 256.

(4) منصور بن محمد بن عبد الجبار (ت 489 هـ / 1096 م) ، تفسير القرآن، تحقيق ياسر إبراهيم وغنيم عباس، الجزء 6، الطبعة 1، دار الوطن، الرياض، 1997 م، ص 50.

(5) انظر محمد علي الصابوني، قبس من نور القرآن الكريم، الجزء 15، الطبعة 1، دار الفكر، لبنان، 1997م، ص 89.

(6) حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، ص 843.

(7) انظر الرازي، مختار الصحاح، مصدر سابق، ص 339.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت