فهرس الكتاب
فأيًّا كان معنى: (مهطعين) فالمقصود هو أن تصويب أنظارهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن لأجل الاستماع والاستيعاب، وكذلك إسراعهم إلى سماع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليس سماع استماع، وإنما سماع استهزاء ولهو.
يقول الواحدي:"كان المشركون يجتمعون حول النبي - صلى الله عليه وسلم - يستمعون كلامه ولا ينتفعون به، بل يكذبون به ويستهزئون ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلنها قبلهم وليكونن لنا فيها أكثر مما لهم؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية" [1] . إذن؛ فإن الكفار يستهزئون من المؤمنين لأنهم ليسوا أصحاب جاه ومال، ولذلك فهم يستكثرون عليهم دخول الجنة، ويجدون في ذلك مفارقة تدفعهم إلى السخرية والاستهزاء. يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ(29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ) [2]
بل إن الكفار كانوا إذا رأوا المؤمنين، يستهزئون منهم بالضحك والغمز
ويتلذذون بهذا الاستهزاء وكذلك يتغامزون فيما بينهم سخرية بالمؤمنين. وكذلك فإذا رجع الكفار إلى أهلهم رجعوا فكهين؛ أي: متلذذون بالاستهزاء من المؤمنين [3]
"والمشاهد التي يرسمها القرآن لسخرية الذين أجرموا من الذين آمنوا وسوء أدبهم معهم وتطاولهم عليهم ووصفهم بأنهم ضالون - مشاهد منتزعة من واقع البيئة في مكة، ولكنها متكررة في أجيال وفي مواطن شتى، وكثير من المعاصرين شهدوها؛ كأنما هي الآيات قد"
(1) الواحدي، أسباب النزول، مصدر سابق، ص 229.
(2) سورة المطففين / 29 - 32
يقول القرطبي:"مكية في قول ابن مسعود والضحاك ومقاتل، ومدنية في قول الحسن وعكرمة".
(3) انظر الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، مصدر سابق، الجزء 4، ص 724.
وانظر الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية و الدراية من علم التفسير، مصدر سابق، الجزء 5، ص 489
وقد قرئت (فكهين) من دون ألف وهذه قراءة حفص وابن القعقاع والأعرج والسلمي، وقرأ الباقون
(فاكهين) بالألف. وهما بمعنى واحد.
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 19، ص 229.