الصفحة 136 من 195

فالمنافقون لا يدركون البواعث الحقيقية التي دفعت المسلمين إلى أعمال البر. لأنهم يمتلئون حقدًا وحسدًا. يريدون أن يستهزئوا ليردوا الغنيّ عن الصدقة مخافة رميه بالرياء، ويصدّوا الفقير عن الصدقة مخافة رميه بالعبثية. [1]

فالمستهزئون لا يقدمون خيرًا ولا يعملون بِرًا، وإنما يقدّمون الاستهزاء بأعمال البر؛ حتى يبينوا للناس أنه لا فضل لأحد عليهم؛ فالمكثر مراءٍ والمقلُّ عبثي في عمله، ولا قيمة له، وأنهم هم الأفضل والأعلى مكانة والأزكى نفوسًا والأذكى عقولًا والأصوب منهجًا.

وبعض المسلمين في زماننا يصدر عنهم مثل هذا الاستهزاء؛ إما جهلًا، وإما عن سوء قصد، وإما عن كليهما. وإلى الله المشتكى.

رابعًا: استهزاء الكفار من زيادة الإيمان عند المؤمنين.

يقول تعالى: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىرِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) [2]

فالمنافقون لا يفوتون أي فرصة للاستهزاء حتى يستهزئوا - رغم أنه لا يوجد في ديننا وإيماننا ما يُستهزأ به - فهم يستهزئون من المؤمنين حتى وقت نزول القرآن. فإذا أنزلت سورة من القرآن، فإن المنافقين يستهزئون؛ ويقولون: (أيكم زادته هذه إيمانًا؟) . وهذا الاستفهام الاستهزائي موجه من المنافقين إلى المنافقين، كأنهم يقولون: وأي شيء وأي عجب، وأي دليل في هذا القرآن؟! [3]

(1) قد سبق الكلام عن هذه الآية وسبب نزولها في المبحثين الثاني والثالث من الفصل الأول

(2) سورة التوبة / 124 - 125

هاتان الآيتان مدنيتان

انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 8، ص 3

(3) انظر الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فني الرواية و الدراية من علم التفسير، مصدر سابق، الجزء 2، ص 475.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت