يسلي الله - سبحانه و تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن الرسل السابقين قد استهزئ بهم، كما استهزأ بك قومك، و لأجل استهزائهم فقد نزل بهم العذاب الذي كانوا به يستهزئون. [1]
يقول ابن الجوزي:"عزّى الله نبيه فقال: (ولقد استهزئ برسل من قبلك) ؛ أي: كما فعل بك قومك (فحاق) ؛ أي: نزل (بالذين سخروا منهم) ؛ أي: من الرسل (ما كانوا به يستهزئون) ؛ يعني: العذاب الذي كانوا استهزأوا به" [2]
و بعد ذلك يأمر الله - سبحانه و تعالى - نبيه -صلى الله عليه و سلم - أن ينذر قومه؛ لأن عذاب الله لا يمنعه أحد، و ليس للبشر من حافظ يحفظهم إن أراد الله - سبحانه وتعالى - بهم العذاب. و في هذا إنذار و تهديد للمستهزئين.
يقول البيضاوي:" (قل) يا محمد للمستهزئين (من يكلؤكم) " [3] . و كلام البيضاوي يدل على أن هذا الخطاب موجه للمستهزئين، و على أن الله - سبحانه و تعالى - يأمر رسوله - صلى الله عليه و سلم - ليوجه الخطاب للمستهزئين محذرًا و مهددًا لهم لما يعملونه.
فما هو الخطاب الذي أمر الله - سبحانه و تعالى - رسوله -صلى الله عليه وسلم - بتوجيهه للمستهزئين؟ إنه تذكير المستهزئين بأن عذاب الله لا يدفعه دافع، و لا يحفظ أحد أحدًا من عذاب الله. ومعنى: (يكلؤكم) : يحفظكم؛ لأن"الكِلاءة: حفظ الشيء و تبقيته".ومعنى: (من الرحمن) "أي: من عذاب الله و بأسه" [4]
وفي هذه الآية لطائف منها:
1 -معنى: (حاق) ؛ أي: أحاط. و معناها يدور على الشمول و اللزوم؛ يقول أبو السعود:"فإن معناها يدور على الشمول و اللزوم و لا يكاد يستعمل إلا في"
(1) انظر ابن حيان، النهر الماد من البحر المحيط، مصدر سابق، الجزء 2، ص 462.
(2) عبد الرحمن بن الجوزي (ت 597 هـ / 1201م) ، زاد المسير في علم التفسير، الجزء 5، الطبعة 1، المكتب الإسلامي، بيروت، دون ذكر تاريخ النشر، ص 352.
(3) البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، مصدر سابق، الجزء 2، ص 71.
(4) . حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، ص 725.