تتحدث هذه الآيات عن هلاك قوم هود - عليه السلام -؛ حيث إنهم استعجلوا العذاب على سبيل الاستهزاء (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ) [1]
يقول أبوالسعود:" (وحاق بهم ما كانوا يستهزئون) من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء. ويقولون: (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) " [2]
إذن؛ فقوم هود - عليه السلام - مستهزئون، ولذلك؛ أنزل الله بهم العذاب الذي كانوا به يستهزئون. والله قد مكن قوم هود من القوة والسلطان، ما لم يؤت أهل قريش (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)
يقول ابن عطية:"ومعنى الآية: ولقد أعطيناهم من القوة والغنى والبسطة في الأموال والأجسام ما لم نعطكم ونالهم بسبب كفرهم العذاب، فأنتم أحرى بذلك إذا كفرتم" [3]
وبعد ذلك تحذير آخر، وهو قوله تعالى: (ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى) وفي هذا القول"مخاطبة لقريش على وجه التمثيل لهم بمأرب وسدوم" [4] ؛ أي: كما أهلكنا ما حولكم من القرى، فكذلك أنتم، فلستم أعز منهم ولا أكثر قوةً ولا علمًا ولا سلطانًا فاحذروا سوء العاقبة.
ويلاحظ أن ذكر هلاك قوم هود - عليه السلام - أتبع بإنذار - مع أن ذكر هلاك قوم هود إنذار بذاته -.وفي هذا توجيه نظر إلى هلاك القرى التي حول مكة؛ ليكون الإنذار إنذارين؛ إنذار إهلاك المستهزئين السابقين، وإنذار آخر يدل عليه قوله تعالى: (حولكم) ؛ أي إن العذاب وقع حولكم فكان قريبًا من دياركم، فمن السهل إيقاعه بكم.
ومثاله- ولله المثل الأعلى - إذا أراد شخص أن ينذر أهل مدينة بوقوع فيضان أو مرض ما، فإنه يقول: إن ما أُنذركم وأحذركم منه واقع بقربكم، أو في المدينة المجاورة لكم، فاحذروه. وكما أن قرب البلاء مدعاة إلى الخوف، فكذلك قرب العذاب مدعاة إلى الخوف أكثر من أن يكون بعيدًا
(1) سورة الأحقاف / 22
(2) العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، مصدر سابق، الجزء 6، ص 77.
(3) ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، مصدر سابق، الجزء 13، ص 364.
(4) المصدر ذاته،، الجزء 13، ص 365.