إذن؛"في مصارع الغابرين ذكرى، ذكرى لمن كان له قلب، فمن لا تذكره هذه اللمسة فهو الذي مات قلبه، أو لم يرزق قلبًا على الإطلاق! لا بل إنه ليكفي للذكرى والاعتبار أن يكون هناك سمع يلقى إلى القصة بإنصات ووعي، فتفعل القصة فعلها في النفوس، وإنه للحق، فالنفس البشرية شديدة الحساسية بمصارع الغابرين" [1]
وقد يُتبع ذكر موضوع الاستهزاء، بآيات تتحدث عن مصارع الغابرين، وبعد ذكر مصارع الغابرين يأتي تعداد النعم. ومثاله:
1 -يقول تعالى: (يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون(30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32) وَآيَةٌ لَهُمْ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ) [2] .
فالعباد كذبوا الرسل واستهزأوا بهم فما كان يأتيهم من رسول يدعوهم إلى الله إلا كانوا به يستهزئون. فقيل في شأنهم: (يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) ولكن من هو القائل؟ يحتمل أن يكون الكفار الذين وقع عليهم العذاب، وأنهم قالوه لما رأوا العذاب تحسرا على تركهم الإيمان، ويحتمل أن يكون القائل هو الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، في قصة أصحاب القرية. ويُحتمل أن تكون الملائكة هي القائلة لذلك تحسرًا على العباد [3] . ويحتمل أن يكون القائل هو الله - سبحانه وتعالى -، ويكون التحسر بمعنى التنبيه [4]
(1) سيد قطب، في ظلال القرآن، مرجع سابق، الجزء 26، ص 3366.
(2) سورة يس / 30 - 35
هذه الآيات مكية
انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 15، ص 3.
(3) انظر المصدر ذاته، الجزء 15، ص 23.
(4) انظر منصور بن محمد (ت 489 هـ / 1096 م) ، تفسير القرآن، تحقيق ياسر إبراهيم وغنيم عباس، الجزء 4، الطبعة 1، دار الوطن، الرياض، 1997 م.، ص ص 374 - 375.