وعلى كلٍ، فالعباد يستهزئون بكل رسول أرسله الله - سبحانه تعالى - فهل أن هؤلاء المستهزئين لم يروا مصارع السابقين، ولم يعلموا أنهم جميع يوم القيامة يحضرون؟!
يقول ابن الجوزي:" (ألم يروا) ؛ أي: ألم يعلموا (كم أهلكنا من قبلهم من القرون) فيعتبروا ويخافوا أن نعجّل لهم الهلاك، كما عُجّل لمن أُهلك قبلهم، ولم يرجعوا إلى الدنيا ( ... ) (جميع لدينا محضرون) ؛ أي: إن الأمم يُحضرون يوم القيامة فيُجازون بأعمالهم" [1] و (كم) في قوله تعالى: (كم أهلكنا من قبلهم من القرون) "خبرية بمعنى: كثير ( ... ) ومما يثير الإنكار والتعجب من حال هؤلاء القوم أنهم علموا بإهلاك الله - عز وجل - مكذبي القرون السابقة، علمًا يشبه الرؤية البصرية، ثم لم يتعظوا بذلك ولم يعتبروا به" [2] .
فهذا تذكير بمصارع الغابرين بعد ذكر موضوع الاستهزاء، فالعباد يستهزئون بمن أُرسل إليهم، وهم قد علموا إهلاك المستهزئين السابقين. أفلا يتعظون!!
وبعد ذكر مصارع السابقين يذكر القرآن نعم الله - سبحانه وتعالى - الدالة على قدرته (وَآيَةٌ لَهُمْ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ) .
فهذه الأرض الميتة الهامدة التي ليس فيها نبات ولا زرع، إذا أنزل الله - سبحانه وتعالى - عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وهذه الأرض الميتة التي يحييها الله بالماء، هي آية للناس على وجود الصانع وقدرته التامة [3]
وجعل سبحانه وتعالى للإنسان جنات النخيل والأعناب، وخُص النخيل والأعناب بالذكر؛ لأنهما أعلى الثمار، وكذلك فجّرالله - سبحانه وتعالى - العيون في البساتين [4]
وبعد إنعام الله - سبحانه وتعالى - على عباده، فإنهم يستهزئون برسله. وهذا الاستهزاء هو عين جحود النعمة.
إنه أسلوب التخويف بعذاب السابقين، والتذكير بنعم الله - سبحانه وتعالى -، وهذا هو أسلوب الترهيب والترغيب.
(1) عبد الرحمن بن الجوزي (ت 598 هـ / 1202م) ، زاد المسير في علم التفسير، الجزء 7، الطبعة 3، المكتب الإسلامي، لبنان/ سوريا، 1984م، ص 15.
(2) عبد الرحمن حبنكه، معارج التفكر ودقائق التدبر، الجزء 6، الطبعة 1، دار القلم، دمشق، 2000م، ص 99.
(3) انظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مصدر سابق، الجزء 3، ص 753.
(4) انظر القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 15، ص 25.