المطلب الأول: عاقبة المستهزئين في الدنيا.
يقول تعالى: (وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) [1] .
وهذه الآية فيها تسلية لقلب النبي - صلى الله عليه وسلم - [2] ، حيث استهزئ بمن قبله من الرسل فأملى الله لهم - و"الإملاء: الإمهال" [3] - ثم أخذهم الله - سبحانه وتعالى - وأهلكهم وأنزل العذاب فوق رؤوسهم (فكيف كان عقاب) ؛ أي: كيف كان العقاب الذي حل بهم؟ وهذا الاستفهام فيه إشارة إلى تفخيم العقاب وتعظيمه [4] . فالله - سبحانه وتعالى - يملي للمستهزئين في الدنيا، ولكنه إذا أخذهم لا يفلتهم.
وإهلاك المستهزئين سنة ربانية؛ يقول تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ(10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) [5] .
"يقول تعالى مسليًا لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في تكذيب من كذبه من كفار قريش: إنه أُرسل من قبله في الأمم الماضية، وإنه ما أتى أمة من رسول إلا كذبوه واستهزأوا به، ثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين الذين عاندوا واستكبروا عن الهدى" [6] .
(1) سورة الرعد / 32
وسورة الرعد"مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء، ومدينة في قول الكلبي ومقاتل"
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مصدر سابق، الجزء 9، ص 243.
(2) انظر النسفي، مدارك التنزيل وحقائق التأويل، مصدر سابق، الجزء 2، ص 156.
(3) المصدر ذاته، الجزء 2، ص 156.
(4) انظر فضل بن حسن الطبرسي (ت 548 هـ / 1153 م) ، مجمع البيان في تفسير القرآن، تحقيق هاشم رسولي وفضل الله اليزيدي، الجزء 6،الطبعة 1،دار المعرفة، لبنان، 1986 م، ص 453.
(5) سورة الحجر / 10 - 13
هذه الآيات مكية.
انظر ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، مصدر سابق، الجزء 1،ص 415
(6) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مصدر سابق، الجزء 2، ص 722.