ليبذّ حرف (الدال) في هذا المضمار حرفَ الغين المختص أصلًا بمعاني الغيبوبة والغؤور والظلام، كما سوف نرى.
ذلك أن انغلاق صوت (الدال) على نفسه قد جعله في عزلة عمياء صمّاء عن أي إحساس آخر أو مشاعر إنسانية.
وهذا الانغلاق جعله أصلح الحروف للتعبير المباشر عن الظلام والسواد.
دونما كناية أو تورية.
فهل لدى القارئ تعليل آخر؟
وهكذا فإن المصادر التي التزمت معانيها بالخصائص الحسية لحرف الدال لمسيها وبصريها لم تبلغ سوى (58%) ، وهي أقل مما كان متوقعا لهذا الحرف القوى والثقيل.
ولاشك في ان ذلك يعود إلى تعاونه مع الحروف العربية كلها، باستثناء حرفي (الضاد والذال) ، المحجوبين عنه بحرفي (الظاء والزاي) .
فكان لابد لحرف (الدال) أن يتفاعل مع أصوات بقية الحروف، مؤثرًا فيها حينا، ومتأثراُ بها حينًا آخر.
ولذلك كثرت المصادر التي تدل معانيها على الرقة والضعف والوهن لتدخّل الحروف التي في أصواتها رقة وأناقة ولين، كما في حروف (ن. ث. خ. ح. هـ. ش) .
على أن معاني المصادر التي تبدأ بهذا الحرف، باستثناء مادل منها على الظلام والسواد، قد التزمت بطبقته اللمسية، لم تتجاوزها إلا في خمسة للأصوات هي:
دردر الماء (صوت) .
دقدق القوم (اجلبوا) .
دنّ الذباب دنينا (صوت وطنّ) .
دَ هْ دّ هَ (صوت لزجر الابل) .
دندن.
وذلك لتدخل أحرف (ق. ن. هـ) ،كما سنرى.
وفي مصدرين للمشاعر الانسانية هما: دلِه (ذهب فؤاده عشقًا) .
دهشه (حيره وأذهب عقله) .
وذلك لتدخل الهاء الشعورية.
وهذا يقطع بأن حرف (الدال) صحيح الانتماء إلى الحاسة اللمسية وإلى زمرة الحروف المتوسطه القوة، ولا أثقل وزنا.
5 -حرف الكاف: مهموس شديد، هو عند العلايلي والأرسوزي (للاحتكاك) ، وهذا واحد من معانيه.
هذا الحرف، إذا لفظ صوته ممطوطًا مخفوتًا به قليلًا ومضغوطًا عليه بعض الشيء، يحاكي صوت احتكاك الخشب بالخشب.
ولعل العربي قد اقتبسه عفو الفطرة من هذا الحدث لإشعال النار بهذه الطريقة البدائية.