هذه المفارقات ترجع أصلًا إلى أن كلًا من الشفتين والفكين يستقران في انطباقهما على بعضهما بعضا عندما نلفظ الميم في نهاية الكلمة، ليكونا بذلك أشد تمثيلًا لوقائع الضم والجمع والقضم والسدد والانغلاق، أما عندما نلفظ الميم في أول الكلمة، فإن الشفتين والفكين لاتلبث أن تنفرج عن بعضها بعضا لتكون بذلك أصلح لتمثيل وقائع التوسع والانفتاح والتمدد.
أما المفارقة العجيبة في هذه المقارنة، فهي أن ثمة ثلاثة وثلاثين مصدرًا تدل معانيها على الرضاع والحلب والمصّ واستخراج الأشياء مما هو مجوف في المصادر التي تبدأ بالميم، بينما لم أعثر إلا على مصدر واحد يدل على معنى الرضاع في المصادر التي تنتهي به، على الرغم من أن الشفتين في الوضع الأخير هما أكثر استقرارًا في انطباقهما على بعضهما بعضا كما سبق ولحظت ذلك آنفا.
ولكن، إذا صح أن الشفتين تكونان أكثر استقرارًا في انطباقهما على بعضهما بعضا في اللفظة التي تنتهي بالميم، فإنهما تستقران بصورة مفاجئة، سواء بشدةّ حينا أم دونما شدةّ غالب الأحيان.
أما عندما تلفظ الميم في أول الكلمة، فهي تلفظ بضم الشفة على الشفة بشيء من الشدةّ والتأني مما هو أكثر تمثيلًا لوقائع الرضاع والحلب والمصّ.
وذلك يرجع إلى أن حرف الميم قد أبدع أصلًا لتمثيل واقعة الرضاع بالذات.
فعمل العربي على ابقائه في مقدمة المقاطع الثنائية الحروف والثلاثية لمعاني الرضاع، وجعل الحروف المزيدة في المؤخرة كما سبق وأشرت إلى ذلك.
وفي الحقيقة، إن هذه المصادر التي تدل معانيها على الرضّاع والمصّ، هي أبلغ في التعبير وأكثر تمثيلًا لهذه الوقائع من أي لفظة عربية أخرى بما في ذلك لفظة الرضاع بالذات، وإن كانت هذه أعذب صيغة وأوقع في النفس جرسًا.
لخاصيات (الرشاقة) في صوت الراء و (النضارة) في (الضاد) و (النصاعة) في العين، كما سيأتي.