الصفحة 26 من 26

مما يرجّح معه أن تكون لفظة (مّا) بتشديد (الميم) ومدّ (الالف) ، قد أُبْدِعت في المرحلة الزراعية، بترجيح شديد، وذلك للتعبير بطريقة النطق بالميم المشددة إيماء وتمثيلًا عن واقعة مصّ الطفل ثدي أمهّ ترافقها حركة معينة.

ثم سقطت الحركة مع الزمن، وتطور معناها من واقعة الرضاع إلى معنى الأمّ إطلاقًا، مرضعًا كانت أم غير مرضع.

ومن المرجح أن العربي قد طورّ لفظة (مّا) في المرحلة الرعوية إلى (أم) ، بإبدال الألف المهموزة في اللسان العربي، كما ذكر العلايلي.

ولفظة (ماما) في اللهجات العامية ماهي في الحقيقة إلا الأرومة التاريخية للفظة (الأم) قد أتتنا من مراحل اللغة العربية البكر.

ومما يرجح صحة هذا الرأي أن لفظة (ماما) موجودة في معظم اللغات الغربية، وأنّ الألفاظ التي تدل على معنى (الأم) فيها تبدأ بحرف الميم.

وهكذا قيل للوالدة (ماما) ، وللوالد (بابا) .

فإذا كان حرف الميم أكثر تمثيلًا لمعاني المص والرضاع والضم والانجماع، وأوحى بمعاني الرقة والإحاطة في الأمومة، فإن صوت الباء الانفجاري، إنما هو أكثر تمثيلًا لمعاني البقر والبعج وأكثر إيحاء بمعاني الشدة والقوة في الرجل الأب.

ونحن لا نكون بعيدين كثيرًا عن الحقيقة لو أصلنا على ذلك.

وقياساَ على مالحظناه في نشأة حروف (الفاء والثاء والذال) .

أن نقول إنّ حر ف الميم هو من إبداع المرأة الأم بالذات، وذلك بسائق حاجة الأم المرضع إلى التعبير عن واقعة هي ألصق بطبيعتها من الرجل.

وهكذا بدأ حرف الميم بانطباق الشفة على الشفة في ضمّة شديدة طويلة متأنية، وذلك تمثيلًا لواقعة الرضاع، فكانت هذه الحركة الإيمائية أسبق في الزمن من صوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت