فالرقة والليونة والملمس الدافئ الوثير في صوت الثاء.
والخشونة والحرارة والفعالية في صوت الذال.
وهكذا فإن تقارب الحروف في مخارجها لايمنحها تقاربًا مماثلًا في ايحاءاتها الصوتية ولا في معانيها.
فالحرف الشقيق إذا حلّ محل شقيقه في لفظة ما، لاتظل اللفظة على معنى مقارب لمعناها قبل الإبدال، وإنما قد يؤدي ذلك إلى التناقض في معانيهما أحياناُ كثيرة، كما في حرفي الثاء والذال، واحرف الخاء والحاء، والباء والميم، والصاد والسين، كما سوف نرى.
فالثاء، إنما هي تأنيق للسين الرقيقة، وتأنيث لتاء التأنيث.
وكأني بالعربي لم يبدع صوت هذا الحرف إلا خصيصًا للأنثى، ليميزها بالثاء حتى من النساء أنفسهن، إيفاء لحقها من الرقة والدماثة والإحاطة واللين.
فما كل امرأة تتوافر فيها خصائص الأنوثة وإن كانت أنثى.
فلفظة الأنثى إنما هي ألصق بالجنس من لفظة المرأة.
قد قصّرت أنوثة الأشياء والكائنات الحية عن أنوثة الجنس في حرف الثاء، فأُنّثَتْ بتاء التأنيث.
تفيض الثاء عليها من خلف هذا الحجاب الشفاف طيف رقة وعاطفة وأنوثة.
لتستقل الثاء وحدها بعرش الأنوثة في لفظة الأنثى، ضمًّا للنون الأنيسة إلى الثاء الأنثوية، لا أمسّ بالنفس حسًّا، ولا أوقع في السمع جرسًا.
لقد سبق أن نوهت في المرجع السابق (131 - 136) ، بأن العربي قد عبرّ عن بعض معانيه بطريقة النطق بأصوات بعض الحروف في المرحلة الزراعية.
فهل اعتمد العربي (الثاء) كحرف إيمائي، أم كحرف إيحائي للتعبير عن معانيه؟
وردًا على ذلك أبيّن مايلي: عندما يبدأ النّفَس بالخروج برخاوة وبطء مع صوت (الثاء) على المدرج الصوتي يقوم طرف اللسان بشق الأسنان الأمامية السفلى عن العليا، ثم يتراجع قليلًا إلى الوراء، وهنا تلاحظ ثلاث ظواهر: اثنتان منها بصريتان (إيمائيتان تمثيليتان) ، والثالثة سمعية (إيحائية) .