الصفحة 49 من 64

فأما المرحلة الأولى فيمكن تسميتها بمرحلة الرواية، وأبرز خصائصها كون الأحاديث لا تتلقى من الشيوخ، ولا تتداول بين المحدثين إلا بواسطة الأسانيد، والرواية المباشرة المتمثلة في قولهم"حدثني فلان عن فلان"إلى أن يذكروا الحديث أو الأثر. ويشهد لذلك طبيعة كتب الحديث التي ظهرت في هذه المرحلة.

فأذكر على سبيل المثال كتاب"المسند"للإمام أحمد بن حنبل، أو كتاب"التفسير"للإمام الطبري، وهما نموذجان لكتب المرحلة الأولى، عمدتها في نقل الأحاديث هي الأسانيد والرواية المباشرة الفردية، ولذلك كان الإمام أحمد يقول في كل حديث يسوقه فيه"حدثنا فلان عن فلان .."إلى آخر الإسناد، وكذا الإمام الطبري في تفسيره.

وهذه المرحلة ممتدة من عصر الصحابة إلى نهاية القرن الخامس الهجري على وجه التقريب لا على وجه التحديد، وقد سبق عن عدد من المتأخرين ما يدل على ذلك.

فالإسناد في هذه المرحلة يشكل العمود الفقري، عليه يتم الاعتماد في تلقي الأحاديث ونقلها، ومن هنا صار الإسناد وثيقة علمية يتجلى بها مدى صدق راوي الحديث أو كذبه، وضبطه أو خطئه ونسيانه، وبالرواية المباشرة في تداول الأحاديث والآثار فيما بينهم قد حفظوا السنة النبوية، وليس بالتدوين الذي قد يلجأ إليه بعض أفراد الصحابة أو كثير من الرواة بعدهم لحفظ ما سمعوا من شيوخهم من الأحاديث و ضبطها إذا اقتضت حالة ذاكرتهم ذلك.

ومن هنا يظهر جليا معنى نصوص أئمتنا المتقدمين فيما يخص الإسناد: قال عبدالله بن المبارك:"الإسناد عندي من الدين لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"52 وفي رواية أخرى زيادة كلمة:"فإذا قيل له: من حدثك؟ بقي"53 يعني بقي ساكتا.

54وقال سفيان الثور ي:"الإسناد سلاح المؤمن إذا لم يكن معه سلاح فبأي شئ يقاتل"

ولم يقولوا:"التدوين من الدين ولولا التدوين لقال من شاء ما شاء"، أو"التدوين سلاح المؤمن".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت