الصفحة 50 من 64

وعليه فالذي كان يمنع أن يقول من شاء ما شاء في الحديث في مرحلة ما بعد الرواية هو الإسناد وليس التدوين، وهذا لا يعني أن التدوين لم يكن له دور في حفظ السنة، لكن دوره يتمثل فيما يلي:

إن التدوين إنما لجأ إليه بعض أفراد الصحابة وآحاد الرواة حسب قوة ذاكرتهم لحفظ مروياتهم الخاصة سواء أكانت صحيحة أم خطأ، فإن الكتب التي ظهرت في مرحلة الرواية على اختلاف أشكالها أوضح دليل على ما سبق بيانه، ولا يوجد فيها كتاب يستوعب السنة جميعها من حيث إنها سنة صحيحة ثابتة، وإنما الذي تم تدوينه هو الأحاديث التي يتلقاها الراوي من شيوخه، لكن بعض النقاد قام بتمحيص ما صح منها من غير استيعاب، أمثال الإمام البخاري ومسلم، إذن فالذي تم تدوينه من السنة إنما هو مسموعاته الخاصة، ولم يكن ذلك على استيعاب جميع ما ورد في كتب المحدثين من السنة.

المرحلة الثانية:

وأما المرحلة الثانية فيمكن تسميتها بمرحلة ما بعد الرواية، وفي هذه المرحلة آلت ظاهرة الإسناد والرواية المباشرة إلى التلاشي لتبرز مكانها ظاهرة الاعتماد على الكتب، وذلك بعد أن أخذت الأحاديث و الآثار كلها تستقر في بطونها، حتى أصبح الإسناد و الرواية المباشرة في هذه المرحلة أمرا نادرا ما يلفت الانتباه. وجل الكتب التي ظهرت في هذه المرحلة إنما تنقل الأحاديث بالاعتماد على الكتب السابقة.

وعلى سبيل المثال كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري أو تفسير الإمام ابن كثير، فإن عمدتها في نقل الأحاديث هي الكتب و المدونات التي ظهرت في مرحلة الرواية، ولذلك ترى الإمام المنذري في كتابه الترغيب والترهيب يقول بعد سرد الحديث:"رواه البخاري"ونحوه، كما يقول الإمام ابن كثير في تفسيره:"قال الإمام أحمد في مسنده حدثنا فلان عن فلان".

وعلى هذا الفاصل المنهجي اعتمد الإمام ابن الملقن في التفريق بين المتقدمين والمتأخرين حين قال (رحمه الله تعالى) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت