ولذلك نراهم يبذلون جهدهم في جمع أقصى ما يمكن جمعه من الإجازات والقراءات من خلال رحلات مكثفة و موسعة عبر مراكز العلم المنتشرة في الأقطار الإسلامية، ثم يعكفون في نهاية المطاف على تأليف أسماء شيوخهم وتفاصيل إجازاتهم وأسانيدهم التي تحصلوا عليها، وذلك نظرا لأهمية ما تنطوي عليه من وثائق تاريخية قيمة يجب الاحتفاظ بها، وصدرت كتب في هذا المجال العلمي تحت عناوين جديدة مطابقة لمحتواها، مثل:"المشيخات"و"الفهارس"و"الأثبات"و"البرنامج"و"الأجواء".
وإن كان المحدثون يسعون إلى جمع الأحاديث والآثار من شيوخهم ثم يصنفونها في نهاية المطاف على ترتيب أسماء الصحابة، وهو ما يسمى في اصطلاح المحدثين"مسند"، فإن المتأخرين في المرحلة الثانية كانوا يجتهدون في جمع الإجازات و السماعات ثم يقومون بتأليفها على ترتيب أسماء شيوخهم، أو على ترتيب أسماء الكتب، أو على تقديم الأصح فالأصح من الكتب.
منحى آخر تحولت إليه مرحلة ما بعد الرواية:
و الجدير بالذكر في هذه المناسبة هو أن المظاهر العلمية التي عمت مرحلة ما بعد الرواية أخذت شكلا آخر عندما بالغ الأغلبية من طلبة العلم في حرصهم على جمع الإجازات وأسانيد الكتب، وانشغالهم بتنويع الأساليب في تأليف تلك الإجازات و السماعات.
قال الحافظ الذهبي:"ليس طلب الحديث اليوم على الوضع المتعارف عليه عند من حيز طلب العلم، بل اصطلاح و طلب أسانيد عالية وأخذ من شيخ لا يعي، وتسميع لطفل يلعب و لا يفهم، أو لرضيع يبكي، أو لفقيه يتحدث مع حدث أو آخر ينسخ، وفاضلهم مشغلو عن الحديث بكتابة الأسماء أو بالنعاس، و القارئ إن كانت له مشاركة فليس عنده من الفضيلة أكثر من قراءة ما في الجزء سواء تصحف عليه الاسم واختلط المتن، أو كان من الموضوعات، فالعلم عن هؤلاء بمعزل والعمل لا أكاد أراه بل أرى أمورا سيئة، نسأل الله العفو"58.