من خلال زيارة هؤلاء الأفاضل لهاتين المدينتين عند قدومهم لأداء فريضة الحج [1] .
وبالإضافة إلى ما تمّ ذكره؛ فإنّ الحج يُعدّ مؤتمرًا إسلاميًا عالميًا يجمع الأمة الإسلامية بعامتها وأرباب فكرها وعلمائها وزعمائها على أرض الحرمين الشريفين في أشهر الحج ممّا يهيئ فرص التشاور والتناظر والتخطيط للمستقبل وتلاقح الأذهان وبلورة الأفكار ونمو الثقافات وارتقاء الحضارات، ولو لا فريضة الحج؛ لانعدم الشعور بالوحدة والانتماء، ولو لا الحج؛ لما أمكن التضامن والاجتماع في الكلمة، ولو لا الحج لماتت النخوة واندثرت الأخوة، ولما عرف الهندي عن حال المغربي، ولما استيقظ في القادم من أدغال إفريقيا شعور الولاء لمَن هو في صحراء سيبيريا، إنّ الحج وحده ضمان تماسك هذه الأمة وتعاضدها، ولذلك تكون بعثة المهدي المنتظر الذي سوف يوحّد المسلمين بعد تشتّت وضياع في موسم الحج كما جاء ذلك في بعض الروايات [2] .
ومن أجل أهمية الحج الدينية والسياسية والاجتماعية لا يزال المسلمون
(1) أحمد هاشم بدرشيني، أثر الأوقاف على الحياة الدينية والاجتماعية في مكة والمدينة في العهد المملوكي، المدينة المنورة: مجلة مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة، العدد: 13، ربيع الثاني/جمادى الأولى 1426هـ، ص69 - 91.
(2) فقد ذكر الحاكم النيسابوري رواية جاء فيها أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يحج الناس معا ويعرفون معا على غير إمام، فبينما هم نزول بمنى إذ أخذهم كالكلب فثارت القبائل بعضها إلى بعض واقتتلوا حتى تسيل العقبة دما فيفزعون إلى خيرهم فيأتونه وهو ملصق وجهه إلى الكعبة يبكي كأني أنظر إلى دموعه فيقولون: هلمّ فلنبايعك، فيقول: ويحكم كم عهدًا قد نقضتموه وكم دمًا قد سفكتموه، فيبايع كرها، فإذا أدركتموه فبايعوه فإنه المهدي في الأرض والمهدي في السماء» . المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عطا، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1: 1411هـ، ج4، ص549.