العبادة وطلب الدنيا مخالفة للمنهج العام للشرع الحكيم في سائر العبادات الأخرى، حيث لا يجوز الجمع بين العبادة وطلب المنافع الدنيوية في أي عبادة أخرى غير الحج [1] .
وقد جاء هذا الاستثناء في هذا الركن في القرآن الكريم بكل وضوح وجلاء لئلا يتكاسل الناس أو ينصرفوا عن إقامته بحجة قلة الموارد، فقد أباح الله تعالى لهم الاتجار أثناء أداء الركن، وهذه التجارة تعوّضهم ما أنفقوه في إقامة الركن، ترغيبًا فيه وضمانًا لاستمراريته لما له من أهمية دينية واجتماعية كبيرتَين، وبهذا حقق الشارع الحكيم الكفاية الاقتصادية الذاتية في هذا الركن من أركان الإسلام.
أليس ذلك من أمارات الإعجاز التشريعي للقرآن الكريم!
إنّ وضع أهمية ركن الحج في حياة الأمة الإسلامية في الاعتبار، ومقارنة هذه الأهمية القصوى بإمكانية تخلّي المسلمين عن أداء هذا الركن بسبب النفقات التي ي تطلبها؛ تُبرز هذه اللفتة الإعجازية في إباحة التجارة والصناعة
(1) فعن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: قال الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «أنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عن الشِّرْكِ من عَمِلَ عَمَلا أَشْرَكَ فيه مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» . صحيح مسلم، ج4، ص2289. وقد نهى الله في القرآن الكريم عن الانصراف عن صلاة الجمعة وخطبتها بالتجارة واللهو فقال: {وإذا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قائما قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} . سورة الجمعة، الآية: 11. ونهى رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن التجارة في المسجد، فقد روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الرجل يبيع ويشتري في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك» . ابن حبان البستي، الصحيح، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، بيروت: مؤسسة الرسالة، ط2: 1414هـ، ج4، ص528.