الصفحة 113 من 190

والذي يجب علمه على العالم المشتغل بكتب التواريخ وأسماء الرجال: أن الإرجاء يطلق على قسمين:

أحدهما: الإرجاء الذي هو ضلال، وهو الذي مر ذكره آنفًا.

وثانيهما: الإرجاء الذي ليس بضلال، ولا يكون صاحبه من أهل السنة والجماعة خارجًا، ولهذا ذكروا أن المرجئة فرقتان، مرجئة الضلالة، ومرجئة أهل السنة، وأبو حنيفة وتلامذته وشيوخُه وغيرهم من الرواة الأثبات إنِّما عدوا من مرجئة أهل السنة لا من مرجئة الضلالة (1) .

قال الشَّهْرَسْتَانيُّ عند ذكر الغَسَّانيّة: ومن العجب أن غَسَّان كان يحكي عن أبي حنيفة مثل مذهبه ويعدّه من المرجئة! ولعلَّه كذَّب عليه؟

ولعمري كان يقال لأبي حنيفة وأصحابه: مرجئة السنة.

ولعل السبب فيه أنه لما كان يقول: الإيمان هو التصديق بالقلب، وهو لا يزيد ولا ينقص، نسب إليه أنه يؤخِّر العمل عن الإيمان، والرجل مع تبحرُّه بالعلم كيف يفتي بترك العمل؟!

وله سبب آخر، وهو أنه كان يخالف القدريّة والمعتزلة الذين ظهروا في الصدر الأول. والمعتزلة كانوا يلقَّبون كلُّ مَن خالفَهم في القدر مرجئًا (2)

(1) انتهى من (( الملل والنحل ) ) (1: 126-127) .

(2) قال الإمام الكوثري رحمه الله في (( تأنيب الخطيب ) ) (ص75-76) في توضيح هذه المسألة: كان في زمن أبي حنيفة وبعده أناس صالحون يعتقدون أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ويرمون بالإرجاء من يرى أن الإيمان هو العقد والكلمة مع أنه الحق الصراح بالنظر إلى حجج الشرع، قال الله تعالى: { وَلَمَّا يَدْخُل الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكم } ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه ) )أخرجه مسلم، وعليه جمهور أهل السنة.

وهؤلاء الصالحون باعتقادهم ذلك الاعتقاد أصبحوا على موافقة المعتزلة أو الخوارج حتمًا إن كانوا يعُدُّون خلاف اعتقادهم هذا بدعة وضلالة؛ لأن الإخلال بعمل من الأعمال، وهو ركن الإيمان، يكون إخلالًا بالإيمان، فيكون من أخلَّ بعمل خارجًا من الإيمان إما داخلًا في الكفر كما يقوله الخوارج، وإما غير داخل فيه بل في منْزلة بين المنْزلتين الكفر والإيمان كما هو مذهب المعتزلة.

وهم من أشد الناس تبرؤًا من هذين الفريقين، فإذا تبرَّؤوا أيضًا مما كان عليه أبو حنيفة وأصحابه وباقي أئمة هذا الشأن يبقى كلامهم متهافتًا غير مفهوم، وأما إذا عدُّوا العمل من كمال الإيمان فقط فلا يبقى وجه للتنابز والتنابذ، لكن تشددهم هذا التشدد يدلُّ على أنهم لا يعدُّون العمل من كمال الإيمان فحسب، بل يعدُّونه ركنًا منه أصليًا، ونتيجة ذلك ما ترى.

ومن العجيب أن بعض من يَعدُّونه من أمراء المؤمنين في الحديث يتبجح قائلًا إني لم أخرج في كتابي عمَّن لا يرى أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص مع أنه أخرج عن غُلاة الخوارج ونحوهم في كتابه، وهو يدري أن الحديث القائل بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص غير ثاببت عند النقاد. ولولا مذهب أبي حنيفة وأصحابه في هذه المسالة للزم إكفار جماهير المسلمين غير المعصومين؛ لإخلالهم بعمل من الأعمال في وقت من الأوقات، وفي ذلك الطامة الكبرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت