الصفحة 135 من 190

وبعد اللُّتيا واللَّتي؛ نقول: لو سُلِّمَ كون الإمام قليلَ العربيّة، فهو من الأمور الزائدة لا من الأمور الأصليّة، فذكرُه في أثناء مطاعن الإمام بعيدٌ عن شأن الأفاضل الكرام، والواجبُ على الأعلام السكوتُ عن مثل هذا الطعن الذي يُخرب الظنون والأوهام من العوام كالأنعام، والعملُ بما أفاده الحَريريُّ (1) في (المقامة الثالثة والعشرين) من (( مقاماته ) ):

سامح أخاك إذا خَلَط

منه الإصابة بالغط

وتجاف عن تعنيفه

إن زاغ يومًا أو قيسَط

مَن ذا الذي ماساء قَطّ

ومَن له الحُسْنى فقط )) (2)

(( وخلاصةُ المرام في هذا المقام: أنّه لا شبهةَ في كونِ أبي حنيفة ثقةٌ، وكونِ روايته معتبرةٌ مصححةٌ، والجروحُ الواقعةُ عليه:

بعضُها: مبهمةٌ.

وبعضُها: صادرةٌ من أقرانه.

وبعضُها: من المتعصِّبين المخالفين له.

وبعضُها: من المشدِّدين المتساهلين.

فكلُّها غيرُ مقبولةٍ عند حُذَّاق العلماء، وإن آمن بها جمعٌ من السفهاء، فاحفظ هذا كلَّه بقوة الحافظة، ينفعُك في الدنيا والآخرة، ولعلَّك لا تجد مثل هذا التحقيق المملؤ من الإنصاف الخالي عن الاعتساف في كتب الأكابر السالفة، والحمد لله على ما وهب لنا من الفهم الصحيح، والعلم الوسيع، وله الحمدُ في الأولى والآخرة.

(1) وهو القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري البصري، أبو مُحَمَّد، نسبته إلى عمل الحرير أو بيعه، من مؤلفاته: (( مقامات الحريري ) )وسمَّاه (( مقامات السروجي ) )، و (( درة الغواص في أوهام الخواص ) )، و (( توشيح البيان ) )، (446-516هـ) . ينظر: (( وفيات ) ) (4: 63) . (( النجوم الزاهرة ) ) (5: 225) .

(2) تذكرة الراشد )) (ص288-293) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت