فهرس الكتاب
وعن مسعر بن كِدام ـ وكان مشتهرًا بالزهد والاجتهاد ـ، قال: أتيتُ أبا حنيفة فرأيتُه يصلِّي الغداة، ثمّ يجلسُ للناس للعلم إلى أن يصلِّي الظهر، ثمّ يجلسُ إلى العصر، فإذا صلَّى جلسَ إلى المغرب، فإذا صلَّى المغرب جلس إلى العشاء، فقلت في نفسي هذا الرجل في هذا الشغل متى يتفرغ للعبادة لأتعاهدنَّه هذه الليلة، فتعاهدته فلَمَّا خرجَ الناس انتصبَ للصلاة إلى أن طلع الفجر، ودخل مَنْزله، ولبس ثيابه، وخرجَ إلى المسجد لصلاة الفجر. وقال: دخلت المسجد ليلة فرأيت رجلًا يصلّي فاستحليت قراءته فقرأ سبعًا، فقلت: يركع، ثم قرأ الثلث، ثمّ النصف، فلم يزل يقرأ حتى ختمه كلّه في ركعة، فنظرتُ فإذا هو أبو حنيفة.
وعن معتب، قال: قال خارجة بن بديل: دعا أبو جعفر المنصور أبا حنيفةَ إلى القضاء فأبى عليه فحبسه، ثمّ دعاه فقال: أترغبُ عمّا نحن فيه، فقال: أصلحُ الله أميرَ المؤمنين، إنّي لا أصلح للقضاء، فقال له: كذبت، ثمّ عرض عليه الثانية، فقال أبو حنيفة: قد حكمَ عليَّ أميرُ المؤمنين أنّي لا أصلح للقضاء؛ لأنّه نسبني إلى الكذب، فإن كنت كاذبًا فلا أصلح، وإن كنت صادقًا فقد أخبرت أنّي لا أصلح للقضاء. وحكى الخطيب (1) أيضًا في بعض الروايات: إن المنصورَ جعلَه قاضيًا جبرًا وتولَّى الإمامُ القضاءَ يومين، وبعد اليومين اشتكى الإمامُ من مرض فمرضَ ستّة أيّام، ثمّ مات.
وعن وكيع، قال: كان أبو حنيفةَ عظيم الأمانة، وكان يؤثر رضاءَ الله على كلّ شيء، ولو أخذته السيوف في الله لاحتملها.
وعن يحيى بن أيوب (2) الزاهد، قال: كان أبو حنيفة لا ينام الليل.
وعن يحيى بن معين، قال سمعت يحيى بن سعيد القطان: يقول ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثرَ أقواله.
(1) في (( تاريخ بغداد ) ) (13: 329) .
(2) وهو يحيى بن أيوب بن أبي زرعة بن عمرو بن جرير البَجَلي الكوفي، وثقه أبو داود، قال ابن معين: ليس به بأس. ينظر: (( التقريب ) ) (ص518) . (( الميزان ) ) (7: 159) .