الصفحة 122 من 246

وكان جمهور الصحابة رضي الله عنهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في تلك العمرة، وأكثر ما كانوا في حجة الوداع، وكان منهم القارن والمتمتع والمفرد، ثم لما طافوا وسعوا صبح رابع من ذي الحجة، ألزم النبي - صلى الله عليه وسلم - كل من لم يسق الهدي من مفرد أو قارن ـ لما طافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة ـ أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، فصار الصحابة جميعًا ما بين قارن ومتمتع، والقارن متمتع من حيث معنى التمتع العام الذي هو جمع العمرة والحج في أشهر الحج بسفر واحد من غير أن يفصل بينهما بالرجوع إلى بلده.

فيتبين من ذلك: أن أفضل الأزمنة ـ لإيقاع العمرة ـ وأحقها بها أشهر الحج، فوقوع العمرة ـ وهي حج أصغر ـ في أشهر الحج نظير وقوع الحج في أشهره، وذلك من وجهين:

الأول: أن الله لم يكن ليختار لعُمَرِ نبيه إلا أفضل الأوقات وأشرفها.

الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ليختار لأصحابه إلا أفضل الأوقات للعمرة، فإنه حريص عليهم بالمؤمنين رؤوف رحيم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحمد لله الذي أمر بالطاعات ونهى عن المخالفات، وحضَّ عباده على المسارعة والمبادرة إلى الأعمال الصالحات، وأثنى على مستبقي الخيرات، وشهيد لهم بالسبق في محكم الآيات.

أما بعد:

فإن من القواعد المقررة عند أهل العلم أن الأصل في الأوامر الشرعية المبادرة في الامتثال ـ من المكلفين ـ متى استطاعوا، ويحرم التأخير إلا لعذر يقتضيه في ميزان الشرع.

فإن الله تعالى قد أمر باستباق الخيرات، والمسارعة إلى المغفرة والجنات، وشهد للمتسابقين بالسبق والفوز بالقرب والثواب، وذم سبحانه المسوفين والمماطلين وتهددهم بشديد العقاب، وعدّ ذلك من صفات المنافقين المتوعدين بالدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت