الصفحة 208 من 246

وهذا يذكرنا بقيمة العمر، وأنه إن مضى في عمل صالح، فإنه تجارة لن تبور، وما مضى منه في غير خير ولا شر فإنه وإن كانت السلامة من الشر غنيمة قد ذهب خسارة على صاحبه؛ لأنه لم ينتفع به فيما ينفعه في الآخرة في نفس الوقت الذي اغتنمه الصالحون في الصلاح؛ ففازوا بعظيم الأرباح، أما ما مضى من عمر الإنسان في معصية الله تعالى فإنه مصيبة لا تجبر إلا بالتوبة إلى الله تعالى من الزلل، واستغفار الله عز وجل، والإكثار من صالح العمل، وإلا كان عرضة لما رتب الله على ذلك الذنب من عقوبة شرعية أو قدرية، فإن أصيب بتلك العقوبة كانت كفارة له وطهورًا، وإن ستره الله في الدنيا، فأمره في الآخرة إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

لذا كان لزامًا على العاقل المؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مع نفسه عدة وقفات:

الأولى: أن يتذكر أمسه فما كان فيه من صالح العمل، فيحمد الله تعالى على توفيقه له ويشكر لله تعالى بالدوام على جنسه، وما كان فرط فيه فيتوب إلى الله منه توبة نصوحًا، وكلما ذكر ذنبه ندم عليه وجدد عزما ألا يعود لمثله، ويكثر من الصدقة والاستغفار؛ تكميلًا للتوبة، واستيفاءً للأجر.

الثانية: قبل القول والعمل من أجل تصحيح النية بحيث يكون الباعث على فعل الطاعة ابتغاء وجه الله تعالى؛ رغبة في جزيل ثوابه، ويترك المعصية إجلالًا لله تعالى وخوفًا من غضبه وحذرًا من عقابه، فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فإن العمل غير المقصود عبث لا قيمة له، وما لم يكن خالصًا لله تعالى فهو شرك.

الثالثة: حال إيقاع القول والعمل بحيث يؤتى به مقيدًا بالشرع في أصله وبالسنة المأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كيفيته، حتى لا يكون بدعة لا في أصله ولا في كيفيته، فإنه لا يتعبد لله تعالى بالبدع، وإنما يتعبد له سبحانه بما شرع، وكل عمل على غير الشرع مردود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت