الصفحة 235 من 246

1 -الزهد في الدنيا، والواجب منه ترك الحرام، وكماله بترك فضول الحلال وما لا ينفع في الآخرة، وإنما كان الزهد في الدنيا أساسًا للصدق وسببًا له؛ لأن الزاهد يعرف أن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، وأنه ينبغي أن تتخذ عونًا على الآخرة لا شغلًا عنها، وقد انصب همه على آخرته، وتعلق قلبه بربه، ولهذا يبتغى وجه الله تعالى فيما يأتي وما يذر، ومن ثم فلا حاجة به إلى أن يكذب من أجل حظوظ الدنيا؛ لأن حب الدنيا والولع بمتعها والطمع في تحصيل ما يراد منها هو السبب الوحيد أو الأعظم للكذب، فمن كانت همته الآخرة جانب الكذب لهوانه عنده وهوان أهله وهوان ما يترتب عليه من متع الدنيا، ولازم الصدق وأحب الصادقين، واستعان بربه أن يثبته عليه حتى يأتيه اليقين.

2 -أما السبب الثاني للصدق والفوز بمعية الصادقين في نظر ذلك الإمام العظيم فهو الكف عن أهل الملة، أي: أهل الإسلام، لقوله - صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم» .

فمن أمن الناس بوائقه من بغضٍ وحسدٍ ونظرةِ عينٍ وغشٍ وخديعةٍ وسرقةٍ ونهبةٍ أو بهتٍ أو تعدٍّ على بشرته وحرمته وعرضه، ونحو ذلك من الغوائل والشرور لشدّة حرمة هذه الأمور في الشرع وتعظيمه لحرمات إخوانه؛ فذلك هو المؤمن الكامل الإيمان، والإيمان الكامل الصادق فيه يحجز صاحبه عن الكذب كما يحجزه عن سائر المحرمات وكبائر الذنوب؛ لقوة إيمانه بالله تعالى وصدقه في عبادته وعظم خشيته منه لكمال علمه به.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.

الحمد لله الذي خلقنا من نفس واحدة، وجعل منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، أحمده تعالى وأشكره أن جعل لنا من أنفسنا أزواجًا، وجعل لنا من أزواجنا بنين وحفدة، ورزقنا من الطيبات.

أما بعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت