فإن الوصية هي الأمر المؤكد، والمقصود بها هنا: وصية الإنسان العاقل ـ بالأمر الذي يهمه شأن وليه أو وارثه لينفذه بعد مماته، قال تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء: 12] .
ولقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» ، ففي هذا الحديث الصحيح إرشاد من النبي - صلى الله عليه وسلم - للأمة إلى العناية بالوصية والمبادرة بها قبل مفاجأة الموت وأن غاية ما يسمح به من التأخير في الوصية الواجبة ـ وهي المتعلقة بالحقوق التي له وعليه ـ ليلة أو ليلتان؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له في هذه الحياة، ولذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما وهو راوي الحديث: «فلم تمض عليّ ليلة منذ سمعت ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ووصيتي مكتوبة عند رأسي» .
* فالوصية وسيلة لحفظ الحق، وسبب لسرعة براءة الذمة من حقوق الخلق، وفرصة للاستزادة من الخير لمن ترك خيرًا بأن ينتفع من ثلثه أو ربعه في وجوه البر.
* وفيها تذكرة للموصي وورثته ووصيه والناظر في وصيته بالوظيفة الحتمية التي عليهم، وهي العبادة لرب البريات، وحث لهم على المبادرة إلى الخيرات، فالمبادرة بكتابتها وتكرار النظر فيها وتوثيقها بالختم أو بالإشهاد أو تصديق جهة موثوقة معتبرة، وتجديدها إذا طال أمدها أو تغييرها إذا وجد ما يقتضي تغييرها. كل ذلك من الحزم وفعل أولي العزم.
* وكتابتها لا تقرّب أجلًا ولا تقطع أملًا، وليس إهمالها من أسباب طول العمر، ولا مزيد كسب أو ظفر، وإنما هي احتياط من المرء لنفسه قبل سكنى القبر ورمسه.
وفيما يلي إشارة إلى أحوال تقتضي الوصية بها من العاقل الحازم: