وفي موضع آخر شهد الله تبارك وتعالى لأهل العلم بالاصطفاء، ووعدهم الجنة جميعًا رغم ما بينهم في التفاوت العظيم في الفهوم والعمل، فقال سبحانه: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [فاطر: 32،33] ، فضمن لهم الجنة؛ وما ذلك إلا لأن العلم وسيلة العمل، والدليل عليه والمرغب فيه، وهو موجب الخشية وصلاح النية والمرغب في أنواع العمل بما يذكر من جليل المثوبة.
وفي موضع ثالث من الكتاب العزيز يحكم الله تعالى بأن من آتاه الله الحكمة، فقد أوتي خيرًا كثيرًا، وأشهر المفسرين على أن المراد بالحكمة: الفقه والفهم لكتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ويؤكده قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «لا حسد إلا في اثنين ... » الحديث، وفيه: «ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها» ، فالفقه في الدين هو الحكمة؛ لأنه يدل على الصواب ويقرن الحكم بدليله ويرشد إلى وضع الأمور مواضعها اللائقة بها.
وفي صحيح السنة ما بين أن الفقه في الدين علامة الخير وسبيل الجنة، ومما ثبت في الحث على العلم الشرعي قوله - صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» متفق عليه، وقوله عليه الصلاة والسلام: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم. وقوله - صلى الله عليه وسلم: «إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» .