وكل ما صبغ من بأصباغ لا يقصد بصبغه حسنه كالكحلي والأخضر المشبع والأسود أو صبغ لنفي الوسخ عنه أو لتقبيحه فالأئمة الأربعة (1) وغيرهم على جوازه لأنه لا يقصد به التزين فلا يمنع منه. وقد يدل لهذا قوله - صلى الله عليه وسلم: (( ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب ) )والعصب نبت تصبغ به الثياب كما رجحه ابن قدامة (2) وابن القيم (3) وقال السهيلي: الورس والعصب نبتان باليمن لا ينبتان إلا به ورجح ابن حجر (4) رحمه الله ما ذهب إليه الأكثرون (5) من تفسير العصب بأنه برود يمنية يعصب غزلها أي يجمع ويشد ثم يصبغ ونيسج فيأتي موشًا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ. وعلى كلا التفسيرين فالمراد المنع من ثياب الزينة، قال ابن قدامة رحمه الله: (( فأرخص النبي صلى الله عليه وسلم للحادة في لبس ما يصبغ لغير التحسين ) ) (6) وقال شيخنا محمد بن صالح العثيمين أثابه الله في قوله - صلى الله عليه وسلم - (( ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب ) ): المراد ثوب الزينة وليس المعنى أنها لا تلبس إلا الأبيض، فالثياب نوعان: ثياب للتزين والتجمل فهذا لا يجوز للحادة، والنوع الآخر ثياب بذلة أي ليست للزينة فمهما كانت ألوانها فلا بأس بها (7) . والذي يبدو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نص على المصبوغ لأنه مما يتجمل بصبغه غالبًا، وذهب جماعة من أهل العلم منهم عائشة وابن عمر والزهري والثوري واسحاق وأبو ثور (8)
(1) انظر: شرح فتح القدير 3/ 340، جواهر الإكليل 1/ 389، مغني المحتاج 4/ 399، المبدع 8/ 143.
(2) المغني 11/ 289.
(3) زاد المعاد 5/ 711.
(4) فتح الباري 9/ 491.
(5) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 3/ 245، المجموع المغيث 2/ 458، وغريب الحديث للحربي 1/ 304، لسان الميزان 1/ 604.
(6) المغني 11/ 289.
(7) من تعليقات شيخنا على صحيح البخاري كتاب الطلاق باب القسط للحادة عند الطهر 3/ 421.
(8) الإشراف على مذاهب العلماء ص 295.