فهرس الكتاب
فتضمن ذلك التوجيه الرباني الكريم تنبيه الدعاة إلى الله تعالى بأن يبدؤوا بالدعوة والنصيحة قرابتهم وذويهم، ثم من يليهم ثم مجاوريهم ثم بني جنبهم، صلةَ للرحم وبراءةً من الإثم وعملًا بأصدق الكلم.
الخامس: أن الداعي إذا ظهر صدقه في دعوته ونصحه وتجرده وحبه الخير لقومه، وتحلى بالإحسان والصبر على الأذى والجور، فإنه لن يعدم من قرابته وقومه من ينصره ويقف معه، ولو خالفه ولم ينقد له فيكون ذلك درعًا واقيًا له من أذىً محقَّق وخطرٍ محدق، كما قال تعالى عن قوم شعيب عليه السلام أنهم قالوا له: ژ? ? ژ [هود:91] ، وكما كان موقف أبي طالب والعباس وحمزة وغيرهم من أقارب النبي - صلى الله عليه وسلم - ورجالات من قريش من قومه ممن كانوا سببًا في دفع شر كبير عنه وتردد خصومه من قريش في قتله حتى أظهره الله ونصره وقيض له من غيرهم من ينصره.
السادس: ثم إنه من الواقع المشهود أن الأجيال المتأخرة من القرابة يكونون ـ في الغالب ـ أحسن استجابة من أبائهم لداعي الحق والتفافًا حوله ونصرة له؛ وذلك لأن الشخص لا يسود في كبار قومه ولا في أقرانه غالبًا، وإنما يسود في الجيل الذي بعده ومن يليه، وحسبك في قرابات النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين اتبعوه فإن أقلهم يكبره سنًا بل جملتهم من جيله والجيل الذي بعده، ولن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا، وإذا كان هذا في أمور الدنيا فأمر الدعوة أعظم وأجل.
فمن تفهم هذه الأمور اعتنى بدعوة قرابته وذويه، وصبر على جفائهم وجورهم عليه، طمعًا في مثوبته وإحسانه إليه، ورجاء هدايتهم إلى خالقه وباريه وذلك من فضل الله تعالى عليه لما فيه من صلة القرابة وعظيم الإثابة؛ ولأنه من مظان النصرة والمنعة، وعملًا بهدي الكتاب والسنة وإقامة للحجة وطلبًا للمعذرة، ومن غفل عن ذلك فغلطه كبير وتقصيره خطير، وقد فاته خير كثير.
ثالث عشر: