وهكذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدع مناسبة إلا بيَّن ما تدعو الحاجة إلى بيانه بشأنها، أو ما له صلة بها؛ فلما رأى عند عائشة رضي الله عنها سترًا فيه تصاوير هتكه وقال: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم» [1] , ولما جيء إليه بجمار النخل أو شحم النخل قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟» [2] .
ولما ذكرت له بعض أمهات المؤمنين كنيسة رأتها في أرض الحبشة وما فيها من الصور قال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» [3] .
ولما قال له اليهودي إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، قال - صلى الله عليه وسلم: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان» [4] .
وهكذا من تدبر سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - تبين له بجلاء أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يدع مناسبة إلا اغتنمها في بيان ما أنزل إليه من ربه، وبذل العلم لأمته.
فاغتنام الداعي المناسبة في البيان مع لطف القول واختصاره من أنفع الأمور في هداية الناس وتعليمهم وأخفها عليهم؛ لأنه يوافق حاجتهم، حتى إن البيان لا يكاد ينسى، وفضل المبين لا ينكر.
حادي وعشرون:
فإن الغرض من الدعوة هداية الخلق للحق، فينبغي تبليغ الحق للخلق بكل وسيلة لا محذور فيها.
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبلغ دعوته إلى الناس بما أمكنه من الوسائل:
(1) أخرجه البخاري برقم: (5181) , ومسلم برقم: (2107) .
(2) أخرجه البخاري برقم: (61) ، ومسلم برقم: (2811) .
(3) أخرجه البخاري برقم: (427) ، ومسلم برقم: (528) .
(4) أخرجه البخاري برقم: (4980) , وابن ماجه برقم: (2118) , وأحمد في المسند برقم: (20171) .