ففيما اشتملت عليه الآية من ذكر عقوبة السابقين التاركين للأمر والنهي، وفي ضمنه تحذير للاحقين من التقصير في هذا الواجب، أبلغ الدلالة على وجوب الدعوة إلى الله تعالى على الأمة عامة، وأنه يجب على المسلمين عامة أن يقوموا بإعداد وتأهيل وتكليف طائفة منهم تقوم بواجب الدعوة والأمر والنهي، تحصل بهم الكفاية، وأن يعينوهم بكل ما يلزم ـ حسب الإمكان ـ لتحقيق هذا الواجب العام عليهم، وهو الدعوة إلى الله تعالى، وهداية عباده إليه، وإعلاء كلمته وإظهار دينه، وإقامة حجته، ومحاربة الشرك والبدع والأهواء وكبائر الذنوب، والأخذ على أيدي أهل هذه الذنوب وأطرهم على الحق أطرًا، وقصرهم عليه قصرًا، وإلا أثم الناس جميعًا، فلا سلامة من الإثم، ولا أمن من عقوبته إلا بقيام طائفة من الأمة بهذا الواجب العظيم، بحيث تتحقق بقيامهم به غايات الدعوة ومقاصدها.
ولا شك أن هذه الأمور غير حاصلة بوجه كافٍ في هذا الزمن، فإن الجهد المبذول في الدعوة غير كافٍ، والإمكانات الحاصلة غير مُستغَلة، وعظيم المسؤولية على قدر عظم الحاجة والإمكان، فالواجب عظيم، والتفريط كبير، والإمكانات كثيرة، والوسائل ميسرة، والميدان واسع، ونسأل الله تعالى الإعانة على الخير، والعفو عن التقصير، وفي المطالب التالية إشارة إلى مهمات من ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
المطلب الثاني:
أهل العلم هم أئمة الناس وقدوتهم لما أتاهم الله من العلم، ولما أخذ عليهم من ميثاق البيان وترك الكتمان فهم المقدمون وأول المكلفين وأعظمهم واجبًا ومثوبةً وتبعةً، والناس لهم تبع، فيجب على أهل العلم ـ بما بعث الله به نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من الهدى ودين الحق ـ من الدعوة فيما يتعلق بالعلم، وكيفية العمل، وكشف الشبهات، ورد الضلالات، وبيان أحكام النوازل والحوادث الجديدة، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم؛ ما لا يجب على غيرهم.