فإن الله تعالى قد أمر عامة المسلمين وخاصتهم بالرجوع إليهم فيما لا يعلمونه من أمر دينهم بقوله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:43] ، وأخذ على أهل العلم الميثاق بالبيان وترك الكتمان بقوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران:187] ، وتوعدهم على الكتمان أو التقصير في البيان مع القدرة إن لم يتوبوا بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة:159 - 160] .
وذلك لأن أهل العلم بالهدى ودين الحق اللذيْن جاء بهما النبي - صلى الله عليه وسلم - هم خلفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمته وفي دعوته وحفظ سنته وبيان شريعته لعباده، فإن العلماء ورثة الأنبياء، وقد ثبت في الصحيح من غير وجهٍ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بين للناس ـ في خطبته يوم عرفة جُملًا من العلم ـ أرسى فيها قواعد الملة وجلَّى أحكام الشريعة، ووضع ـ أي: أبطل ـ أمور الجاهلية، قال: «ألا هل بلغت؟» ، فقالوا: نعم. فقال: «اللهم اشهد» ، وأشار بأصبعه السبابة إلى السماء، ثم نكتها عليهم، ثم قال: «ألا فليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ» [1] . وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من سُئل عن علم فكتمه ألجمه الله عز وجل بلجام من نار يوم القيامة» [2] .
(1) أخرجه البخاري برقم: (1741) ؛ ومسلم برقم: (1679) .
(2) أخرجه أحمد في المسند برقم: (8328) ؛ وأبو داود برقم: (3658) .