وقد جمع الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أفضل علوم الأنبياء والمرسلين قبله وأصحها وأكملها، وزاده عليها مما فيه هداية الخلق للحق، وصلاحهم ونفعهم في الدنيا والآخرة، وأرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وبيَّن - صلى الله عليه وسلم - للأمة ما أُنزل إليه من ربه بقوله وفعله وتقريره لما وافق، وإنكاره على ما خالفه بيانًا كاملًا شافيًا، ترك به - صلى الله عليه وسلم - أمته على بيضاء نقية ليلُها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ولذا قال الصحابة رضوان الله عليهم: «لقد تركنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - وما يقلب طائر جناحيه في الهواء إلا ذكر لنا منه علمًا» [1] . وقالت اليهود للصحابة: «قد علمكم نبيكم - صلى الله عليه وسلم - كل شيء حتى الخراءة» [2] ، يعنون آداب قضاء الحاجة، فقال الصحابة رضوان الله عليهم: أجل ـ أي ذلك كذلك ـ.
وضرورة العباد إلى معرفة ما جاء به - صلى الله عليه وسلم - من الهدى ودين الحق فوق كل ضرورة، وحاجتهم إليه فوق كل حاجة، فإنه لا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث من الاعتقادات والأقوال والأعمال والأحوال على التفصيل إلا من جهته، ولا سبيل إلى الفوز بالسعادة في المعاش والمعاد إلا من طريقه، فأي حاجة فرضت، وأي ضرورة عرضت فحاجة العباد وضرورتهم إلى معرفة ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الهدي ودين الحق فوقها بكثير.
روي عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأنهم يحتاجون إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين وحاجتهم إلى العلم بعدد أنفاسهم.
أثر العلم في نجاح الدعوة ومضرة دعوة الجاهل:
(1) أخرجه أحمد في المسند برقم: (20854) .
(2) أخرجه مسلم برقم: (262) .