الصفحة 40 من 151

فإن طالب العلم إذا اعتنى بمعرفة أحكام المسائل بأدلتها، وراجع كلام أهل العلم فيها في مظانه، ورجع إلى أكابر أهل العلم الراسخين فيه فيما أشكل عليه، وأخلص النية في ذلك، كان حريًا بالتوفيق للصواب والسداد في الرأي، فإن الله تعالى قد وعد من جاهد فيه محسنًا بهدايته ومعيته كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69] , وخصوصًا مع الضراعة إليه سبحانه في استفتاح صلاة الليل بطلب الهدى والسداد، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفتح صلاة الليل بقوله: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» [1] . ومما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمة سؤال الله الهدى والسداد.

فليعتن الداعي إلى الله تعالى بمعرفة الحق بدليله عامة، وفيما يدعو إليه خاصّة، لتكون دعوته حقًّا وإلى الحق ولا يمنعه حظّ النفس ومهابة الخلق من الرجوع إلى الحق لو قال قولًا يظنه الصواب ـ بعد شدة تحرٍّ واجتهادٍ ثم تبيَّن له خطأ ما ذهب إليه ـ فإنه إذا تبيَّن له خطأه فرجع إلى الحق بعد ما تبيَّن وترك قوله الذي خالف فيه الحق كان مأجورًا على اجتهاده، ومعذورًا في خطأه؛ لأنه بذل وسعه في تحري الحق وأخطأ من غير قصد، ثم رجع إلى الحق لَّما تبيَّن له، وقد قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] , وثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى قال: «قد فعلت» [2] .

(1) أخرجه مسلم برقم: (770) .

(2) أخرجه مسلم برقم: (126) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت