ولكن لا يحل لأحد كائنًا من كان أن يقول في دين الله قولًا بلا علم، ولا يحل له أن يقول في دين الله قولًا لا يعتقد صحته، بل لا يقول إلا بما علم واعتقد صحته بالبرهان والحجة، ويقول ذلك أيضًا على وجه إظهار الحق ونصيحة الخلق، فمن تبيَّن له الحق بدليله فليقل به ولينصح به الناس، ومن لم يتبين له الصواب فليمسك عن القول وليقل: (الله أعلم) ، فإن الصواب في المسائل المشكلة عدم الجزم بشيء فيها من غير حجة، بل ينسب العلم فيها إلى الله تعالى كما قال سبحانه: {قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} [الكهف:19] , وقال جل ذكره: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ} [الكهف:22] , يعني: أهل الكهف.
فالسكوت عن القول في مثل هذه المسائل ونسبة العلم إلى الله تعالى هو العلم، والمتكلِّم فيها بلا علم قد أخطأ خطأً عظيمًا يُنكر عليه، فإن الله تعالى نهى عن افتراء الكذب عليه، ونهى عن القول عليه بلا علم، وعن المخاصمة والمجادلة بغير علم قام عليه الدليل، أو قول ما ليس للقائل به علم مطلقًا، فإن الله تعالى ذكر المحرمات وجعل القول عليه بلا علم أعلاها، لأنه أصل الشر ومنشأ غالب البدع و الأهواء الضالة المضلة.
والله تعالى قد ابتلى الناس بالمتشابه عليهم كما ابتلاهم بالمحكم ليعلم ـ واقعًا ـ من يقف حيث وقفه الله، ممن يقول عليه بلا علم ولا برهان، ولو بلغ الإنسان ما بلغ من العلم لكان ما علمه قليلًا بالنسبة لما لا يعلمه، قال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85] .
وقد سئل أئمة كبار عن مسائل كثيرة فلم يجيبوا إلا على أقل القليل، كما ينسب إلى الإمام مالك رحمه الله تعالى أنهُ سئل عن أربعين مسألة فأجاب عن أربع، وتوقف عن ستٍ وثلاثين، وقال للسائل: أخبر من وراءك أن مالكًا لا يدري.
وقد ذكروا أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله توقف عن الإفتاء في عدد من المسائل، منها: