ومن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة العالم الذي لا يعمل بعلمه، وقد ثبت في الصحيحين عن زيد بن حارثة رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يُجاء بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: إي فلان، ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» [1] .
ولهذا عاب الله تعالى على الضُّلاَّل من بني إسرائيل وذمَّهُم، فقال: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة:44] , فعد سبحانه ترك العمل بالحق مع العلم به من نقص العقل، وحذَّر هذه الأمة وتوعدها أشد الوعيد على تناقض الأعمال والأقوال، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف:2- 3] .
وأخبر سبحانه عن نبيه شعيب ـ عليه السلام ـ أنه قال لقومه: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88] , فنَّبه على أن العمل بالعلم ـ كما أنه شكر الله تعالى على أن هدى الله تعالى العبد إلى الحق وبصره به ـ فهو حق الله تعالى عليه يتقرب به إليه، ويصلح به قومه بدعوتهم إليه؛ وذلك لأن النفوس مجبولة غالبًا على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه، ولا يوافق فعله قوله.
(1) أخرجه البخاري برقم: (3267) ؛ ومسلم برقم: (2989) .