فهرس الكتاب
بل ينبغي للداعية ـ في مثل هذه الأحوال ـ أن يبين الحق، ويرغب فيه بذكر فضائله ومحاسنه وجليل منافعه، حتى يغري به الناس ليتركوا ما ألفوا من الباطل اختيارًا، فإن ترك المألوف صعب على النفوس، وليس من السهل على كل أحد أن يدع مألوفه إلا بمقاومة عظيمة، وجهد كبير، فليس المهم أن تلزم المبتدع أو المبطل بأنه صاحب بدعة أو باطل، وإنما المهم أن تغريه بترك ما هو عليه من هذه الأمور، والأخذ بالحق أو السنة، وانظر إلى حكمة الله في تشريع بعض العبادات وتحريم بعض المحرمات: كيف أخذ الناس بالتدرج حتى انقادوا إلى ترك مألوفاتهم، وفعل ما يشق عليهم، طاعة لله تعالى، ورغبة في ثوابه، وخوفًا من عقابه؟! وقد أُثِرَ عن الإمام مالك وابن المبارك والإمام أحمد رحمهم الله تعالى قولهم: «بيِّن السنة للناس ولا تخاصم» .
8 -إنزال الناس منازلهم:
ومن الحكمة أن يراعي الداعية مقامات الناس ومنازلهم، وفي الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنزلوا الناس ـ وفي رواية: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ننزل الناس ـ منازلهم» [1] , فإن لكل مقام مقالًا، والبلاغة مراعاة مقتضى الحال، فالأم والأب والسلطان والوزير والعالم وغيرهم ممن هو عظيم في نفسه أو مُعَظَّم عند ذويه وقومه، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُكنى أكابر المشركين، يقول: «يا أبا فلان أو كذا» لما في التكنية من توقيرهم، والأخذ بمجامع قلوبهم، وفي كتبه - صلى الله عليه وسلم - إلى ملوك زمانه: من محمد عبدالله ورسوله إلى فلان عظيم كذا ... »، فينبغي مراعاة مقاماتهم، وإتيانهم من الباب الذي يُظنُّ قبولهم للحق من جهته، فكلٌّ له أسلوب في الخطاب يناسبه، وباب يدخل إليه منه، فليستعمل مع كل شخص ما يناسبه ويكون أقرب إلى قبوله وانقياده.
9 -مخاطبة المدعو بما تقتضيه حاله من البيان:
(1) أخرجه أبو داود برقم: (4842) .