الصفحة 67 من 151

ومن الحكمة النافذة إلى القلوب: مراعاة حال المدعو من حيث حاجته إلى البيان، فيعطى ما يتحقق به المقصود دون زيادة أو نقص، وحتى لا تنعكس الأمور:

أ فمن الناس من يكون أصلًا طالبًا للحق مريدًا له مستعدًا لقبوله إذا ظهر له، لكن خفي عليه الحق بسبب خفاء الدليل، أو تعارض الأدلة، وعدم أهليته للترجيح، أو لغير ذلك من الأسباب، فمثل هذا يكفيه أن يوضح له الدليل ووجه الدلالة منه، وأن يبين له الأهم فالمهم، وما يكون قبوله له أتم، ولا يحتاج الأمر معه إلى بسط وتطويل.

ب ومن الناس من قد يعرف الحق لكن يكون عنده شيء من التوقف والجفاء لهوىً في نفسه، أو شهوة جامحة غالبة عليه، أو لغير ذلك من الأسباب، فمثل هذا يحتاج إلى الموعظة الحسنة، وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، إما ببيان ما تشتمل عليه الأوامر الشرعية من الحكم والمحاسن والمصالح وتعدادها، وما في ارتكاب المناهي من المضار و الشرور وبيانها، وذكر أمثلة من كلام الله تعالى المبين لثواب الله تعالى للمطيعين، وعقابه للعاصين المعاندين، ونحو ذلك مما اشتملت عليه نصوص الوعد والوعيد، وقصص الله تعالى عن السابقين وسنته في المستجيبين والمعرضين، فيُذكر له من نصوص الوعد أو الوعيد الواردة في الكتاب والسنة والحوادث الواقعة ما يناسب المقام؛ حتى يخشع قلبه لله، وينقاد للحق، مبادرًا إلى امتثال المأمور راغبًا أو راهبًا، أو ترك المحظور؛ فإن القلوب تلين مع الموعظة الحسنة، وتطمع فيما عند الله من خير ورحمة للتائبين، وتزجر من عواقب الإصرار وآثار الاستكبار التي يتعرض لها المصرون المسوِّفون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت