فهرس الكتاب
فقد جاءت نصوص كثيرة من الكتاب والسنة تفيد أن أفضل أهل كل عبادة أكثرهم لله ذكرًا، فأفضل المصلين أكثرهم لله ذكرًا، وأفضل المتصدقين أكثرهم لله ذكرًا، وأفضل الصوام أكثرهم لله ذكرًا، وأفضل الحجاج أكثرهم لله ذكرًا، وأفضل المجاهدين أكثرهم لله ذكرًا، فهكذا أفضل الدعاة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أكثرهم لله تعالى ذكرًا.
ومما ورد صريحًا في ذلك ما رواه البيهقي مرسلًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل: أي أهل المسجد خير؟ قال: «أكثرهم لله ذكرًا عز وجل» . قيل: فأي أهل الجنازة خير؟ قال: «أكثرهم لله ذكرًا عز وجل» . قيل: فأي المجاهدين خير؟ قال: «أكثرهم لله ذكرًا عز وجل» . قيل: فأي الحجاج خير؟ قال: «أكثرهم لله ذكرًا عز وجل» [1] الحديث، وفيه: قال أبو بكر رضي الله عنه: ذهب الذاكرون بالخير كله.
قلت: ومما يؤيد ذلك أن الله تعالى شرع الذكر وأمر به ورغب فيه مع وبعد هذه العبادات وغيرها، وذلك - والله أعلم - لأن ذكر الله تعالى يُرغّب الذاكر في العبادة، ويُنشّطه ويقويه عليها، ويدعوه على تكميلها والإحسان فيها، ويكمل نقصها ويسد خللها، ويحض على المداومة عليها والاستزادة مما شرع من جنسها، ويطرد الشيطان عن العابد حتى لا يفسد عليه عبادته وسائر عمله.
فالداعية إلى الله تعالى أولى الناس وأحقهم وأحوجهم إلى الاشتغال بذكر الله تعالى والإكثار منه، ليستعين به على مهمته وليتوصل به إلى بغيته، وليحصِّل به فوائده العظيمة ومنافعه الكبيرة وأجوره الكثيرة، وليستجن به من الشيطان الرجيم ومما يخاف ويحذر من العوائق والأخطار وغير ذلك مما هو عرضة له آناء الليل والنهار، فيحتاج إلى أن يذكر الله تعالى على كل أحيانه وفي جميع أحواله.
(1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (1/ 408) ، وأخرج الإمام أحمد مثله برقم: (15187) .