على إرادته وراحاته وشهواته ولذاته , وقع في آثار المعاطب وأودع قلبه سجون المضايق وعذب في حياته عذابا لم يعذب به أحد من العالمين , فحياته عجز وغم وحزن , وموته كدر وحسرة , ومعاده أسف وندامة , قد فرط عليه أمره وشتت عليه شمله , وأحضر نفسه الغموم والأحزان , فلا لذة الجاهلين ولا راحة العارفين , يستغيث فلا يغاث ويشتكى فلا يشتكى , فقد ترحلت أفراحه وسروره مدبرة , وأقبلت آلامه وأحزانه وحسراته , فقد أبدل بأنسه وحشة , وبعزه ذلا , وبغناه فقرا وبجمعيته تشتيتا , وأبعدوه فلم يظفر بقربهم , وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا , ذلك بأنه عرف طريقه إلى الله ثم تركها ناكبا عنها مكبا على وجهه , فأبصر ثم عمى , وعرف ثم أنكر , وأقبل ثم أدبر , ودعى فما أجاب , وفتح له فولّى ظهره الباب , قد ترك طريق مولاه وأقبل بكليته على هواه , فلو نال بعض حظوظه وتلذذ براحاته وشئونه , فهو مقيد القلب عن انطلاقه في فسيح التوحيد , وميادين الأنس , ورياض المحبة , وموائد القرب.
فقد انحط بسبب إعراضه عن إلهه الحق إلى أسفل سافلين , وحصل في عداد الهالكين , فنار الحجاب تطلع كل وقت على فؤاده , وإعراض الكون عنه - إذا أعرض عن ربه - حائل بينه وبين مراده , فهو قبر يمشى على وجه الأرض , وروحه في وحشة من جسمه , وقلبه في ملال من حياته , يتمنى الموت ويشتهيه ولو كان فيه ما فيه , حتى إذا جاءه الموت على تلك الحال - والعياذ بالله - فلا تسأل عما يحل به من العذاب الأليم , بسبب وقوع الحجاب بينه وبين مولاه الحق , وإحراقه بنار البعد عن قربه والإعراض عنه , وقد حيل بينه وبين سعادته وأمنيته.