كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة، والتوكل والتوبة والاستعانة، وغاية الذل، كل ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لله وحده، ويمتنع عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره، فمن فعل شيئًا من ذلك لغيره، فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثل له، ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله؛ فلهذه الأمور وغيرها أخبر سبحانه أنه لا يغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة.
قال الله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .
هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين به العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء، وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له ملك له كما كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، فقال الله تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ} أيٍ: تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم {هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} أي: يرضى أحدكم أن يكون عبده شريكًا له من ماله فهو وهو فيه على السواء {تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي: تخافون أن يقاسموكم الأموال.
قال أبو مجلز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك وليس له ذاك كذلك الله لا شريك له، والمعنى أن أحدكم يأنف من ذلك فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} .