ويؤكد هذا المعنى ابن قدامة المقدسي رحمه الله فيقول: وليعلم أن ما يقرأه ليس كلام بشر، وأن يستحضر عظمة المتكلم به سبحانه ويتدبر الكلام.
ولا يكتفي القارئ بذلك الشعور فحسب؛ بل ينبغي أن يتذكر ويستشعر أنه واقف أمام خالقه ومولاه عز وجل ليناجيه ويتقرب إليه، وقد قيل لسفيان رحمه الله: الرجل إذا قام إلى الصلاة أي شيء ينوي بقراءته وصلاته؟ قال: ينوي أنه يناجي ربه.
ويجدر هنا ذكر أمر يقع من البعض لا يتناسب ويصلح مع مقام المناجاة لله رب العالمين ألا وهو رفع الصوت الزائد عند التلاوة بحيث يخرج القارئ عن استشعار أنه يناجي الله تعالى وأنه ينبغي له التذلل والانكسار والخضوع له عز وجل .. فإن الذي يدخل على ملوك وسلاطين الدنيا ليسألهم حاجة لا يرفع صوته بالمسألة بل يتلطف في العبارة ويلين الكلام ويخفض الصوت .. فكيف بمن يناجي ملك الملوك وعظيم السموات والأرض العزيز الحكيم!!.
عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فكنا إذا علونا كبرنا فقال: «أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا ولكن تدعون سميعًا بصيرًا» (متفق عليه) .
فتأمل - أخي - كيف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر من يمشي في سفرًا أن يخفض صوته فكيف بمن هو واقف في صلاة؟
قال النووي رحمه الله في شرح مسلم: إن رفع الصوت إنما يفعله الإنسان لبعد من يخاطبه ليسمعه وأنتم تدعون الله تعالى وليس هو بأصم ولا غائب بل هو سميع قريب وهو معكم بالعلم والإحاطة، ففيه