على تلك الحال لم تملك أن رمت نفسها عليه تقبله وتبكي، وتقول: يا ولدي أين تذهب عني؟ ومن يؤويك سواي؟ ألم أقل لك: لا تخالفني؟ ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك وشفقتي عليك، وإرادتي الخير لك، ثم أخذته ودخلت.
قال ابن القيم رحمه الله: فتأمل قول الأم: لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك. يقول رحمه الله: وتأمل قوله - صلى الله عليه وسلم: «لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها» [1] ، وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟ إذا العبد رجع إلى ربه، وتاب إليه، وانكسر بين يديه.
يحكى عن بعض العارفين أنه قال: دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها، فما دخلت من باب إلا رأيت عليه زحامًا فلم أتمكن من الدخول، حتى جئت من باب الذل والافتقار فإذا هو أقرب باب إليه سبحانه وأوسعه، ولا مزاحم فيه ولا معوق، فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته، فإذا هو سبحانه تعالى قد أدخلني عليه من هذا الباب.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (كلمات تكتب بماء العيون) : من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية، تذكر أنك عبد في كل لحظة، في كل نفس، في كل خاطرة، في كل ذهاب وإياب.
ويقول أهل العلم: إن ما يتحقق بالافتقار لا يتحقق بالاستكبار قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ
(1) أخرجه البخاري (5999) ؛ ومسلم (2754) .