أخي المبتلى ..
وتعلَّم من الأنبياء أدب الشكوى إذ أنزلها على الله وحده، قال تعالى عن يعقوب: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} .. وإنما ينافي الصبر شكوى الله على الخلق، لا الشكوى إلى الله، كما رأى بعضهم رجلًا يشكو إلى آخر فاقة وضرورة، فقال: «يا هذا، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟!» .
أخي المبتلى:
تذكَّر أنَّ صفو الحياة المطلق غاية لا تُدرك؛ فقد خُلقت عالقة بأحزان، مطبوعة على البلاء، بل هي ذاتها في الدنيا بلاء .. ألم تسمع قول الله جل وعلا: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} .
طُبعَت عَلى كَدرٍ وَأنت تُريدُهَا
صَفوًا مِن الأحزَانِ وَالأكدَار
وما دام شأن الحياة كذلك فلا خيار لحيٍّ أمامها إلا أن يُوطِّن نفسه على دفع بلائها ومكابدة أكدارها، كما قال الله جل وعلا: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} .
ما ذكره الإمام المنبجي في كتابه «تسلية أهل المصائب» :
الأول: أن يعلم أنَّ الدنيا دار ابتلاء، والكرب لا يُرجى منه راحة.
الثاني: أن يعلم أنَّ المصيبة ثابتة.
الثالث: أن يُقدِّر وجود ما هو أكثر من تلك المصيبة.
الرابع: النظر في حال من ابتُلِيَ بمثل هذا البلاء، ففي التأسِّي راحةٌ عظيمة.
الخامس: النظر في حال من ابتُلِي بمثل هذا البلاء، فيهون عليه هذا.
السادس: رجاء الخلف إن كان من مضى يصحُّ عنه الخلف كالولد والزوجة.
السابع: طلب الأجر بالصبر في فضائله وثواب الصابرين وسرورهم في صبرهم، فإن ترقَّى إلى مقام الرضا فهو الغاية.
الثامن: أن يعلم العبد كيف جرى القضاء فهو خيرٌ له.
التاسع: أن يعلم أنه مملوك، وليس للمملوك في نفسه شيء.
العاشر: أن يعلم أنَّ تشديد البلاء يخصُّ الأخيار.
الحادي عشر: أن يُدرك أنَّ هذا الواقع، وقع برضا المالك، فيجب على العبد أن يرضى بما رضي به السيد.
الثاني عشر: معاتبة النفس عند الجزع، وإفهامها أنَّ هذا الأمر لا بدَّ منه، فما وجه الجزع مما لا بدَّ منه؟
الثالث عشر: إنما هي ساعة فكأن لم تكن.
وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.